داعش والاقتصاد الجديد للحرب

Coming Soon

15-06-2017


داعش والاقتصاد الجديد للحرب

في الوقت الذي بدأ يخسر فيه "داعش" الأرض فانه اضحى يتحرك تحتها، لذا فان عرقلة نموذجه المالي ستكون الخطوة التالية، بعد اذلال التنظيم الإرهابي وهزيمته. ففي عام 2014، احتل ما يسمى بالدولة الإسلامية ثلث العراق، لتأسيس دولة الخلافة.

وبحلول عام 2017، اضحى التنظيم يجد صعوبة في الادعاء باقامة الدولة. حيث عانى سلسلة من الخسائر الإقليمية، من تكريت (2015) إلى الرمادي (2015-2016) فالفلوجة (2016) إلى الموصل (2016-2017)، وهو الآن يواجه هجوما على عاصمته في الرقة، ويبدو أن أيام السيطرة على الإقليم وإدارته تقترب من نهايتها.

ومع ذلك، وعلى الرغم من بروز مؤشرات مرحلة ما بعد داعش في العراق، فإن الخسائر الإقليمية لا تعني نهاية المنظمة في البلاد، فهي موجودة بشكل أو بآخر منذ عام 2003. واعتمادا على ديناميكيتها، فإن المنظمة السلفية الجهادية ستغير تكتيكاتها لتعود إلى تحت الأرض في دورة مألوفة من التوسع والانكماش. وخلال هذه الفترة الجديدة من الانكماش، ستحاول داعش الحفاظ على بعض القوة، منتظرة فرصة لإعادة الظهور.

وسيتعين على داعش عندما تكون تحت الأرض، تغيير عقلها التنظيمي، إذ لم يعد بإمكانها أن تفكر في نفسها كدولة، بل بوصفها منظمة سرية. هذا التحول في العقل له انعكاسات على كل من التكتيكات العسكرية والمالية. على الرغم من أن العديد من الكتّاب يركزون الآن على التكتيكات العسكرية المتغيرة، من الحرب التقليدية وغير التقليدية أو الحرب غير المتماثلة، إلا أنهم يولون اهتماما أقل للتغيير في الممارسات المالية.

ومع ذلك، فإن التمويل هو الطريقة الرئيسة لتنظيم داعش من أجل البقاء، وإن الفكر الإيديولوجي بمعنى "الخلافة" أو المعتقدات الدينية أو السياسية لن تكون كافية للحفاظ على ديناميكية التنظيم، الذي نتج عن اقتصاد الحرب وجمع الموارد الاقتصادية من خلال تقديم شكل أفضل من لطرق التهريب الآمن.

وبسبب هذا النموذج، وكما جادل كثيرون، فان مشاركة وانضمام رجال الأعمال والنخب القبلية في شبكات التهريب في شمال العراق او إلى التنظيم السلفي الجهادي كان محركها الربح.

ويبدو الفرق بين داعش والجماعات الأخرى هو السيطرة على الأرض، وخلال هذه الفترة سعت تدفقات إيرادات داعش إلى محاكاة مداخيل الدول. وبالإضافة إلى جمع الأموال من تصدير السلع مثل النفط والآثار، فقد تم فرض رسوم جمركية على الواردات بنسبة (2.5 %)، وفرض ضرائب على السكان الخاضعين لسيطرتها، وفرض رسوم ترخيص على الأعمال التجارية (بين 500. 2 دولار و 5.000 دولار).

وعلى الرغم من أن عناصر أخرى سهلت الصعود المالي للتنظيم، مثل التبرعات الأجنبية والاتجار بالبشر وغنائم الحرب، فإن السمة المميزة لتمويل داعش هي التركيز على التكتيكات التي تمارسها الدولة، ففي الموصل تصرّف قيادات التنظيم تصرفا دولتيا، وكان لديهم وزيرا للمالية.

إن فقدان الأراضي الإدارية لا يشير فقط إلى نهاية عقلية الدولة، بل إنه يعرض أيضا موقف داعش من اقتصاد الحرب للخطر، ولن تكون قادرة على توفير الأمن لشبكات التهريب. وعلى هذا النحو، يجب أن يتكيف التنظيم الآن مع الحقائق الجديدة للحفاظ على موقفه وعلاقاته القائمة على المصالح الاقتصادية.

وللقيام بذلك، تركز داعش على صناعة جديدة: أعمال مشروعة من خلال أطراف ثالثة، وهي الشركات التيتلعب دورا مهما في هذه الصناعة، ويحركها الربح والنخب القبلية، على غرار علاقة التهريب، والوسطاء "الذين ليسوا بالضرورة من الموالين لداعش ولكن رجال أعمال يبحثون عن كسب المال".

ويوافق هؤلاء الوسطاء على شروط مع ممولهم دون طرح العديد من الأسئلة. وهم ليسوا من السنّة فقط، بل ايضا من رجال الأعمال الشيعة، وإن مصالحهم الرئيسة هي اقتصادية في المقام الاول، وليست عقائدية، أو دينية أو سياسية. وهذا يسمح لداعش بالحفاظ على السيولة النقدية، وبالتالي على اقتصاد الحرب.

وبالنسبة إلى داعش، فإن النهج الجديد يركز على قدرتها على غسل احتياطياتها النقدية الضخمة، التي نهبت من المدن الكبرى مثل الموصل، بطريقة تسمح لها بمواصلة الاعتماد عليها دون تدخل من القوى المعادية.

ووفقا لمصادر مطلعة، فإن داعش تستخدم هؤلاء الوسطاء لتنظيف احتياطياتها النقدية من خلال شراء مختلف الأعمال التجارية في بغداد وأماكن أخرى. وبموجب هذا النموذج المالي، يدفع أحد زعماء داعش، غير القادرين على امتلاك عقارات في بغداد، راتبا شهريا مربحا لشراء مؤسسة مشروعة. وتشمل الشركات الإلكترونية وتجارة السيارات والمستشفيات الخاصة وصناعة الأغذية والمشروبات. ثم يشارك صاحب العمل الطرف الثالث إيراداته مع جهة اتصال داعش. وفي كثير من الأحيان، يشارك الطرف الثالث في العمل دون أن يسأل من أين تأتي الأموال.

وهناك طريقة أخرى لغسل هذه الأموال تتمثل في بيع الدينار العراقي وشراء الدولار الأمريكي، الذي يمكن استخدامه بسهولة أكبر عبر الحدود الوطنية. وفي جميع أنحاء بغداد، ويتم ذلك إما (عن طريق أطراف ثالثة) أو الاعتماد على شركات صرف العملات من أجل تبادل المال.

ووفقا لمصادر داخلية، تشارك داعش أيضا بنشاط في مزادات العملة التي يقوم بها البنك المركزي العراقي لإعادة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي، كوسيلة لتحقيق استقرار العملة، مما يوفر دون قصد طريقا لتنظيم داعش لشراء الدولار من البنك المركزي العراقي وبيع احتياطيها الضخمة من الدينار العراقي.

وستكون المرحلة التالية من محاولات "تحطيم" و "هزيمة" تنظيم "داعش" متعددة الجوانب، ولكن يجب أن تعالج هذه المرحلة الجديدة من اقتصاد الحرب. وستستثمر داعش احتياطياتها النقدية في الاقتصادات الرسمية وغير الرسمية.

واليوم، ورغم أن دخلها قد استنفد بسبب فقدانها الأرض، فقد خفضت داعش أيضا نفقاتها المرتبطة بإدارة هذا الإقليم. وعلى الرغم من هذه الخسائر، فإنها ستبقى "أغنى جماعة إرهابية في التاريخ" نتيجة مخزوناتها من الاحتياطيات التي تم الحصول عليها في ذروة الاعوام (2014-2016) عندما كانت تقدر بنحو 2-3 مليون دولار يوميا. هذه الثروة هي العامل المميز بين داعش والمجموعات الأخرى.

ومنذ عام 2014، اعتمدت المعركة العسكرية ضد داعش على حقيقة أن التنظيم له وجود مكاني من السهل تحديده. وفي حال ذهاب داعش تحت الأرض، فإن التحدي الذي يواجه أعدائه سيكون منع التنظيم من الاندماج مرة أخرى في المجتمع العراقي، وسيظل النهج الطويل الأجل بمثابة دفعة لمعالجة الأسباب الجذرية لداعش.

ومع ذلك، وعلى المدى القصير فإن استراتيجية "الاذلال والهزيمة" الجديدة المناهضة لداعش ـيجب أن تتكيف مع التغيرات داخل التنظيم، لذا سيكون تعطيل شبكاته المالية مهمة حاسمة. وفي جوهرها، تعتمد المرحلة التالية من اقتصاد الحرب على داعش على أصولها النقدية ودورها في الاقتصاد غير الرسمي والرسمي.

 وحدة الترجمة في المركز


https://www.chathamhouse.org/expert/comment/isis-and-new-war-economy

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟