استراتيجية إيران للوصول الى البحر المتوسط

Coming Soon

15-06-2017


استراتيجية إيران للوصول الى البحر المتوسط

ملخص

تمثل السيطرة إلايرانية على العراق، حلقة مهمة لاستكمال سيطرتهم على المشرق العربي بأجمعه والوصول  من خلاله الى موانئ شرق البحر المتوسط، ويعد هذا الهدف من أساسيات التفكير إلايراني عبر التاريخ الطويل، فالطموح الى تحقيقه قد نشأ منذ اندحار جيوشهم وامبراطورهم داريوس على ايدي الاسكندر المكدوني سنة 331 ق.م في معركة اربيل او (اربيلا) الشهيرة  الفاصلة  في العصر الكلاسيكي، ولم يتحقق هذا الهدف حتى اليوم. لقد كشفت صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية، في عددها الصادر في 9 اكتوبر/ تشرين الاول 2016 عن خطة إيرانية تنفذ بالتنسيق مع حكومتي بغداد ودمشق لتأمين طريقها عبر العراق وسوريا وصولا إلى البحر المتوسط، وأن الطريق سيمنح إيران نفوذا كبيرا في المنطقة. 

وعليه، فان الميليشيات المسلحة التابعة لطهران تعمل باستمرار من أجل السيطرة على مناطق عراقية وسورية، وتستعد الان لإكمال طريق يمنح ايران نفوذا كبيرا في المنطقة. وأن مقابلات قد أجريت على مدار الأشهر الأربع الماضية مع مسؤولين عراقيين وسوريين، تفيد بأن الطريق البري بدأ تدريجيا يتخذ شكلا واضحا منذ عام 2014 ، وهو طريق معقد جدا يمتد عبر العراق وشمال شرقي سوريا ومناطق القتال شمال حلب، وسط حالة من الفوضى السورية.

وبالتالي، تقوم الخطة الإيرانية على فتح الطريق إلى البحر المتوسط، وجرت بالتنسيق بين مسؤولين أمنيين وحكوميين بارزين في طهران وبغداد ودمشق، وجميعهم يعملون بأوامر من قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، الذي يدير الحربين في سوريا والعراق من خلال حركاته المكوكية هنا وهناك.

ميليشيات "الحشد الشعبي"

شكلت سيطرة "داعش" على مدينة الموصل فرصة سانحة لإيران، مكنتها من تعزيز تواجدها العسكري في العراق، مقربّة اياها من تحقيق خططها التي كانت قد وضعت منذ أكثر من ثلاثين سنة، لتتشكل ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، على وفق فتوى اصدرها المرجع الديني الشيعي آية الله علي السيستاني في اوائل يونيو/حزيران 2014، تدعو كل من يستطيع حمل السلاح إلى التطوع في القوات الأمنية لقتال مسلحي "تنظيم الدولة الإسلامية" وتجيز التعبئة الشعبية لدرء خطر هذا التنظيم، وهو ما وصف فقهيا بـ "الجهاد الكفائي"..

وبدا الحشد في لحظة معينة ظهيراً لميليشيات سبقته في النشأة احتضنتها إيران، ليشكل معها قوة شيعية موحّدة تقاتل بأمرة الحرس الثوري الايراني، حيثما تتطلب مصالح طهران. وهو ما اعلنه المتحدث باسم "الحشد الشعبي" أحمد الأسدي بقوله إنهم يعتزمون القتال مع قوات بشار الأسد في سوريا، بعد انتهاء معركة الموصل، وتنفيذ عملية في مناطق غرب مدينة الموصل، شمال العراق، بهدف قطع طريق الإمدادات عن عناصر تنظيم "داعش"، حيث تقع بلدة تلعفر، هي الجهة الوحيدة التي لم تصل إليها القوات العراقية التي تقترب من القضاء على "داعش" في الساحل الايمن من مدينة الموصل.

ولعبت ميليشيات "الحشد الشعبي" دوراً رئيساً في أغلب المعارك ضد تنظيم الدولة، ومن ابرزها معركة "جرف الصخر" جنوبي بغداد في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014 . كما تمكن بإسناد من بعض وحدات الجيش العراقي، من فك حصار ناحية آمرلي ذات الأغلبية التركمانية في 31 أغسطس/آب 2014. وفي محافظة ديالى شمال شرقي العاصمة بغداد، شاركت ميليشيات الحشد في عملية واسعة لاستعادة بلدات المحافظة انطلقت مطلع يوليو/تموز 2014.

وبالنظر الى تورط هذه الميليشيات بجرائم طائفية وانتهاكات جسيمة خلال عمليات تكريت في إبريل/نيسان 2015، وعمليات الفلوجة في يونيو/حزيران 2016 فان ما يعُرف باتفاق "قواعد تكريت"، نصت على ان يقتصر دور "الحشد الشعبي" على المهام اللوجيستية في محيط مناطق القتال الرئيسة.

ومن جهة ثانية فان هذه الانتهاكات دفعت الحكومة إلى إلحاق الميليشيات رسمياً بها، ووضعها تحت قيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما اضفى "إطاراً قانونياً" على "الحشد" قبل مشاركته في معركة الموصل، واستجابة لضغوط إيرانية بهذا الصدد. ومع احتدام معركة الموصل ضد "داعش" انتشرت قوات من ميليشيات الحشد الشعبي على طول الساحل الأيسر من مدينة الموصل، والذي بات يخضع لسيطرة الحكومة المركزية في بغداد بعد فرار عناصر التنظيم على وقع معارك دامية، الامر الذي اثار قلقاً محلياً واقليمياً ودولياً.

دولة داخل الدولة

يبدو واضحا انحياز الحكومة والنظام السياسي في العراق برمته الى ما يفعله ويمارسه "الحشد الشعبي" الذي غدا دولة داخل دولة، ولم يعد خافياً ارتباط الميليشيات التي يتكّون منها بالنظام الايراني، بل انها ترتبط به ارتباطاً عضوياً، وقد برهنت على ذلك جملة من السياسات والممارسات التي ترجمت حقائق ما يريده النظام الايراني في المدى القصير والطويل بتطبيق تكتيكات قصيرة الامد، او ممارسة استراتيجيات بعيدة المدى، تخضع لارادة الجنرال قاسم سليماني الذي يتولى ادارة الحرب في سوريا والعراق.

وبنفس المعنى ليست هناك سياسة عراقية وطنية في ادارة شؤون الازمة وتعقيداتها، وتحوّلت الميليشيات الشيعية، بعد أن نمت حجماً وازدادت نفوذاً، إلى وسيلة في يد إيران للتأثير على السياسات العراقية، واعتقد ان العراقيين جميعا يشعرون بمحدودية النظام السياسي القائم في بغداد، فالحرب الدائرة الان ضد "داعش"،  كانت دائما  فرصة لا تعوض، وعاملاً رئيساً بالنسبة لطموحات طهران التي يمتد ببصرها  نحو الغرب، اي نحو العراق وسوريا، ومنهما الى أماكن أخرى، وخصوصا تجاه دول الخليج العربي, ومن هنا فأن مسألة استعادة الموصل، تجدها الميليشيات أحد مشاريعها الأبرز، وخصوصا في تأمين قوس النفوذ عبر العراق وسوريا، الذي ينتهي في البحر المتوسط.

تأمين الفواصل

انه شريط  مسطح ومستو من الأرض الفسيحة إلى الغرب من مدينة الموصل، الذي ستخضعه الميليشيات تحت نفوذها، او انها ستعمل بشكل ضروري ولوجستي لتحقيق هذا الهدف، فبعد 12 عاما من الصراع الاهلي في العراق، وحتى ذاك الاكثر وحشية على امتداد سوريا، تجد ايران نفسها اليوم هي الاقرب استراتيجيا من أي وقت مضى لتأمين ممر بري من شأنه أن يعزز ثقلها في هذه المنطقة  الاستراتيجية، ذات الفواصل الجغرافية مع تركيا، وهي اعالي اقليم الجزيرة الفراتية، اي بين نهري دجلة والفرات .

وعليه، سيتم تحويل الهيمنة من تنظيم "داعش" الى مليشيات الجمهورية الإسلامية الايرانية على الأراضي العربية، خصوصا وان هناك مليشيات عراقية - ايرانية تقاتل في حلب. وتعمل إيران بجد من اجل ربط نفسها برا  بسوريا  وصولا الى المتوسط .

واذا كان هذا مصدر فخر واعتزاز للايرانيين وما حصلوا عليه من مكاسب براغماتية، فانه لن يكون ابداً عملاً استراتيجياً  ناجحاً، كونه سيغرق المنطقة بالدماء، وستنشأ بسببه صراعات طائفية دموية وجملة حروب اقليمية قذرة، وسيبقى كل من العراق وسوريا في دوامة صراع اهلي، حيث ستغرق هذه المنطقة بتعقيدات ومشاكل مزمنة لزمن طويل .

الطريق الايراني الافقي

يبدأ الممر الايراني عند نقاط الدخول التي استخدمتها  إيران لإرسال الإمدادات والقوى المليشياوية المسلحة في العراق منذ عام  على مدى اكثر من عقد من الزمن، وهو مسلك استخدمه "فيلق القدس" بحجة شن حرب عصابات ضد القوات الامريكية التي احتلت البلاد عام 2003، في حملة خاضتها ميليشيات عراقية تلقى دعما ايرانيا. مثل "عصائب أهل الحق"، و"كتائب الحق"، و"حزب الله" لتكون اليوم أكثر نفوذا وسطوة منذ انسحاب القوات الامريكية من البلاد.

ويتخذ الطريق الاستراتيجي من بعقوبة عاصمة محافظة ديالى، الواقعة على بعد 60 ميلا إلى الشمال من بغداد معبراً له ليتحرك باتجاه الشمال الغربي، وصولا الى بلدة الشرقاط في محافظة صلاح الدين، وهي منطقة جغرافية مهمة، سيطرت عليها القوات العراقية في 22 سبتمبر/ايلول 2016، على أن تكمل ذلك الطريق نحو الحافة الغربية للموصل، إلى نقطة تبعد خمسين ميلا جنوب غربي سنجار، والتي تمثل النقطة القادمة في الممر، وتفصل بينهما بلدة تلعفر التركمانية، معقل "تنظيم الدولة الإسلامية". وقرب سنجار، يتوجه الطريق إلى معبر رابعة مع سوريا، ومنها إلى بلدات القامشلي وكوباني وصولا إلى عفرين، التي تسيطر عليها جميعا "وحدات حماية الشعب" الكردية،

الموصل من جنوبها الى اقصى غربها

ثمة نقطة فاصلة ومهمة  بالنسبة لايران هي بلدة تلعفر التي تفصل بين قوات الميليشيات وسنجار، وتعد معقلا لـ"داعش"، وكانت تلعفر مأوى تاريخيا لكل من العرب السنة والتركمان الشيعة المتعاطفين مع  تركيا، ولكن بحكم انتماءاتهم الطائفية باتوا اليوم يوالون ايران وحكومة بغداد. ويرصد احد الاستخباريين من محطته بين تلعفر وسنجار ان الاخيرة  نقطة مهمة بالنسبة للممر،  وسنجار بلدة مختلطة السكان  في الاديان والاعراق، ولكن جبل سنجار القائم بالقرب منها  يعد موطنا  للسكان اليزيدية، الذين دفعوا اثمان باهضة  بعد غزو "داعش" للمدينة وجبلها في أغسطس/ آب 2014 ، مما أسفر عن مقتل عشرات الرجال واستعباد مئات النساء منهم .

وقد استعيدت من قبل الكرد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. ومنذ ذلك الحين، غدت  سنجار مقرا لمقاتلي "حزب العمال الكردستاني" PKK عبر الحدود السورية، اذ اتخذوها مقرا للاقام، كما واتخذوا جبل سنجار، مجالا للاختفاء، وبدا واضحا تعاون مقاتلي PKK مع الحكومة العراقية، اذ انهم أدرجوا في وحدات "الحشد الشعبي"، وبموافقة مستشار الأمن القومي العراقي فلاح فياض.

وبحسب مصادر استخبارية فان تأسيس الممر البري بدأ منذ عام 2014، وهو طريق معقد المعالم يمر من شمال بغداد إلى كردستان العراق، ومنها إلى مناطق الأكراد شمال شرق سوريا، حتى شمال حلب، حيث خاضت إيران وحلفاؤها وميليشياتها معارك ضارية هناك.

ما الحصيلة ؟

هكذا، على امتداد جميع النقاط بين طهران والساحل على المتوسط، ركزّت إيران جهودها لسحق مدينة حلب حيث ارسلت اعدادا كبرى من المقاتلين بلغت بحدود 6000 من مقاتلي الميليشيات، وبالطبع، فإن سيطرة نظام الاسد على حلب يمكن أن يوفر لإيران ورقة إقليمية جديدة تستطيع استخدامها في إدارة تفاعلاتها مع إدارة الرئيس ترامب، خاصة في ظل تزايد احتمالات حدوث تصعيد بين الطرفين، بسبب السياسة المتشددة التي يتبناها الرئيس الامريكي وبعض أعضاء إدارته الجديدة، والتي لا يبدو أنها سوف تركز فقط على الاتفاق النووي، وإنما سوف تمتد أيضًا إلى ملف دعم إيران للإرهاب، لكن في القضايا التي تحظى بأولوية خاصة لدى تلك الإدارة، أو التي سوف تؤثر، وفقًا لرؤيتها، على أمن ومصالح واشنطن.

ان الذين لاحظوا قاسم سليماني عن قرب وهو يتفقد الخطوط الأمامية في كل من سوريا والعراق، أو في اجتماعات مكوكية في دمشق وبغداد، وجدوه يمتلك قوة نفوذ طاغية على النظامين الحاكمين فيهما، وهو يؤكد قائلا: " اذا خسرنا سوريا ، سنفتقد طهران"، فهو لا يتوانى أبدا عن خوض حرب وحشية مكلفة مهما كانت الاثمان. أن تأمين حلب بمثابة الساق لهذا الممر، والتعويل على قريتين إلى الشمال كانتا تاريخيا في أيدي الشيعة من هناك، باعتراف مسؤولين سوريين وعراقيين رفيعي المستوى بان الممر سيصل نحو مشارف حمص، ثم يتجه شمالا ليخترق المناطق العلوية، وينتهي الطريق في ميناء اللاذقية، الذي بقي راسخا في أيدي النظام طوال فترة الحرب.

ان استراتيجية مشروع إيران في بناء ممر، انما يدل على ترسيخ السيطرة الايرانية على العراق وسوريا، ويحقق طموحات إقليمية لطهران منذ الاف السنين، ويعتقد العديد من المراقبين بأنه مشروع مقلق سيدفع طهران مواصلة التوسع، وخصوصا نحو دول الخليج العربي.

أ‌. د. سيّار الجميل

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟