الميليشيات الطائفية بعد معركة الموصل.. تحديات ومخاوف

Coming Soon

15-06-2017

الميليشيات الطائفية بعد معركة الموصل.. تحديات ومخاوف

تشكل مجموعة من الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، والتي انخرطت مع قوات "الحشد الشعبي" الاخرى، تهديداً خطيراً على مستقبل البلاد، بعد ما تمكنت من حيازة التأثير والنفوذ لتشكيل المعادلة السياسية على وفق التوجهات الإيرانية، وبلوغها درجة غير مسبوقة من القوة والتسيب بفعل مشاركتها في الحرب ضدّ "داعش". ناهيك عن سجلها في ارتكاب الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، وهو ما اكدته منظمات حقوقية دولية, من ان ميليشيات أغلبها شيعية مثل "كتائب بدر" أو "عصائب أهل الحق" أو "كتائب الإمام علي"، قد قامت بانتهاكات منهجية واسعة النطاق لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

ومع انتهاء معركة الموصل فان ثمة قلق كبير بخصوص ما طرححول دمج الميليشيات التي شاركت في القتال مع القوات العراقية سواء الجيش أو الشرطة، في ظل معارضة الكثير من القوى لهذا الخيار. وبالتالي، فأن المؤسسات الامنية ستكون تحت نفوذ الميليشيات الطائفية التي لا تحظى بثقة وتأييد المكونات العراقية الأخرى، التي تتهمها بالضلوع في جرائم كبرى بحقها كالاعتقال والخطف والقتل، وهو ما يجر إلى استنفار مجتمعي يدفع بقية الطوائف العراقية إلى تأمين الحماية الذاتية لمجتمعاتها. وستؤدي هذه الميليشيات إلى تهميش الجيوش النظامية وإضعافها، وستصبح عبئًا ثقيلًا على الدول التي سهّلت قيامها لأهداف طارئة باستثناء إيران طبعًا، وسوف تصبح عصيّة على الضبط والإخضاع، وستكون عملية استئصالها مكلفة.

ويستند منطق الميليشيات الحركي المدعوم من طهران، على استثمار دعم حليفهم وادواته التأثيرية، لتستعين بهم كلما برز امراً يهدد مصالحها، ومن ناحية أخرى تتيح هذه الميليشيات لإيران النأي بنفسها عن مواقف بعينها، لتحافظ على صورة إيجابية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وأن يكون العراق منصة إطلاق لخدمة مصالحها الإقليمية ولشنّ صراعات كتلك الحاصلة في سوريا، بحيث تكون بغداد ركيزة أساسية لبنيتها الأمنية الإقليمية. وبنفس المعنى باتت الميليشيات مشكلة صعبة لموالاة جزء كبير منها لطهران، ما أفرز نفوذاً عسكرياً وسياسياً كبيراً لولاية الفقيه في الداخل العراقي.

ومن هنا فان ما يرتكب بحق الآخر مبرر، ولن يجر إلى المسائلة او العقاب فالانتهاكات الجسمية وعمليات القتل التي صوُّر الكثير منها وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بعد دخول ميليشيات "الحشد الشعبي" في مناطق من صلاح الدين وديالى والانبار، وبقي مرتكبوها طلقاء يكررون جرائمهم، بل ان البلطجة الطائفية رفعت اصحابها إلى مصاف الابطال وجعلت منهم رموزاً، وابو عزرائيل مثلاً.

الميليشيات الطائفية ..تحديات ما بعد معركة الموصل

يعكس الاتساع في حجم الميليشيات المدعومة من إيران، عن تصدع البنيان المؤسساتي الرسمي بعد عام 2003، لتنتشر الاجنحة العسكرية الطائفية، رغبة من طهران في إعادة رسم حدود السياسة والمصالح والقوة في عراق ضعيف ومحدود التأثير في محطيه الاقليمي والدولي، وان ما تمتلكه هذه الميليشيات من القوة والنفوذ يفوق امكانات الدولة وقدراتها، لينتهي حال الجيش العراقي بانهياره في الموصل في 10 حزيران / يونيو 2014 كاشفاً عن الخلل والفساد في الحكومة واجهزتها.

وتوافقاً مع ما تقدم، تبنت إيران استراتيجية تشكيل الميليشيات الطائفية بتوجهاتها الحركية المتنوعة، وعبر هيكلية اقرب إلى ما تكون لشكل "الحرس الثوري الايراني"، تمدها بالمال والسلاح، وتكون بمثابة اذرع عسكرية تتحرك استجابة للمصالح الايرانية. حيث يتواجد اليوم آلاف المقاتلين الشيعة العراقيين الموالين لطهران حول الموصل، وهناك فصائل يشرف عليها مستشارون من قوة "القدس" التابعة للحرس الثوري، يتواجدون بالقرب من نقاط الصراع الساخنة، لتأمين الدعم والمعلومات والاستطلاع.

ومن جهة اخرى، تسعى قيادات مؤيدة لخامنئي، منهم هادي العامري، والمالكي، وابو مهدي المهندس، إلى إنشاء هيكل مزدوج رسمي وقانوني ضمن جهاز الأمن العراقي، على غرار الفصل بين حرس الثورة الإسلامية وبين الجيش الإيراني النظامي. وبالنسبة لهم، فان التركيبة متعددة الاثنيات والطوائف للجيش العراقي وقوات الشرطة ستجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على هذه الاجهزة، او توجيهها مساراً بعينه. وهكذا، يسعى هؤلاء القادة إلى الإبقاء على قوات "الحشد الشعبي"، شيعية في الدرجة الأولى، ومُخلصة لهم.

وبالنسبة لإيران فان "الحشد الشعبي" ضروري للتواجد على الخط الفاصل بين كردستان وباقي اجزائ العراق الآخرى وتحديداً في المناطق المختلطة، التي يوجد فيها توترات بين التركمان والأكراد، تحسباً في حال اتجه أكراد العراق إلى الانفصال، وهو امر تتخوف منه إيران نظراً لتنوعها العرقي، الامر الذي يعني ان كردستان المستقلة ستلهم الجماعات الكردية الأخرى في المنطقة ليحذوا حذوها.وسوف يضم الاكراد إلى دولتهم الأراضي التي تم غزوها في القتال، بما في ذلك الكثير من المناطق المُنتجة للنفط والمدينة الرئيسية كركوك، وهو ما يفتح ابواب الصراع مع بغداد.

الممر الإيراني.. معبر النفوذ والسلاح

وستفضي سيطرة الميليشيات على المنطقة بين الموصل والحدود السورية إلى ايجاد ممر بري يصل سوريا ولبنان بالعراق، لذا فان قوات "الحشد الشعبي" تتواجد غرب الموصل في محيط مطار تلعفر الذي يقع جنوب المدينة، وتقوم بتطهير القرى في المنطقة وتأمين الطرق التي يمكن أن يستخدمها "داعش" للهروب باتجاه الغرب. وهو ما اكدته الصحف الإيرانية بان الميليشيات الشيعية سوف تقطع "خط الإمداد الحيوي لداعش باتجاه سوريا". كما نشرت صور قاسم سليماني، قائد "قوة القدس" في الحرس الثوري الإيراني، بالقرب من الحدود السورية.

ويبدو ان قوات الحشد بذلت قصارى جهدها للوصول إلى الحدود وإيجاد هذا الممر الذي يحمي مصالح إيران في المنطقة. وقد يكون ذلك ممراً للتأثير، أو يمكن أن يكون طريقاً مادية لنقل الأسلحة، لخدمة مصالح الأسد وتقويض السياسة الأمريكية في سوريا والعراق.

وتأسيساً على ما تقدم، شهدت البادية السورية في 9/6/2017 ، تطوراً لافتاً تمثّل في الإعلان عن وصول القوات النظامية السورية وميليشيات حليفة إلى الحدود مع العراق شمال شرقي منطقة التنف، التي تضم قاعدة تنتشر فيها قوات خاصة أميركية ومن دول غربية أخرى إلى جانب فصيل سوري معارض.

وجاء هذا التقدم على رغم تحذيرات وجهتها الولايات المتحدة في الأيام الماضية وترجمتها بما لا يقل عن ضربتين جويتين على أرتال للقوات النظامية وميليشيات شيعية تقاتل إلى جانبها بإشراف إيراني، بعدما اقتربت من التنف التي يمر عبرها الطريق الدولي دمشق- بغداد. وما تزال ردود الافعال الأميركية غير واضحة للرد على ما يبدو إصرار طهران على فتح طريق برية بين بغداد ودمشق.

ولهذا؛ فإن ما سيحصل على الحدود السورية العراقية الأردنية من الجولان إلى البو كمال مروراً بنقطة الاشتباك الحامية في التنف، سيقرر مستقبل التوازنات الاستراتيجية الحساسة في المنطقة كلها، خصوصاً إذا لم ينتهي الأمر باقتلاع الهلال الشيعي الذي تهدد طهران بجعله بدراً!

إيران ..الابوية الخلاصية للعالم الاسلامي

تعتبر إيران نفسها ممثلة للعالم الاسلامي، ولها الاحقية في ترتيب شؤونه والتدخل في تفاعلاته، لذا فانها تتواجد في اي مكان منه اذا اقتضت مصلحتها بذلك، وبالتالي فان تواجدها في الموصل يدخل ضمن هذا السياق، ومؤكداً على مبدأ الابوية الخلاصية التي تعتنقها إيران، الذي يعطيها الحق في التدخل اينما رأت في ذلك ضرورة. وبالتالي فان نشر هياكلها العسكرية هناك يعد ضرورة لحماية نفوذها والتأثير في سير الاحداث مستقبلاً. وبعبارة أخرى، هي دولة تسعى إلى فرض سيطرتها على المنطقة، ولن تلعب وفقاً للقواعد، ولها ارث امبراطوري طويل وطموحات إقليمية تاريخية.

وبنفس المعنى، يفهم تصريح زعيم ميليشيا "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي بأن مساعيهم لن تتوقف في السيطرة على العراق وسوريا، مؤكداً أنها ستشكل ما وصفه بـ "البدر الشيعي"، في سوريا والعراق ولبنان واليمن وبدعم من إيران ، وأضاف الخزعلي، أنه في المستقبل "ستكون الفرق القتالية قد اكتملت"، مشيراً بذلك إلى الحرس الثوري الإيراني وجماعة الحوثيين في اليمن و"حزب الله" في لبنان و"الحشد الشعبي" في العراق.

وليست التهديدات الاخيرة الموجه للملكة العربية السعودية والصادرة من أبو مهدي المهندس أحد قادة الميليشيات التي تديرها طهران، الا تعبيراً عن تطلعات في استهداف دول الخليج العربي والتربص بها. وكان المهندس قد قال في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، إن مسلحيه بعد أن وصلوا إلى الحدود السورية "مستمرون وقد يصلون إلى الرياض أو جدة ومعهم أنصار الله" في إشارة إلى الحوثيون الذين دعمتهم إيران لينقلبوا على السلطة الشرعية في اليمن.

على أن توقيت اطلاقها جاء بعد أن أكدت القمم العربية الاسلامية الأميركية في الرياض، أن طهران هي الداعم الأول للإرهاب في المنطقة، ولم يكن من الأخيرة إلا أن حركت أذرعها تهديداً. ويفهم مما تقدم رغبة قادة هذه الميليشيات في الاضطلاع بدور مركزي في "الجناح الخارجي الشيعي" الإيراني، الذي يتألف من ميليشيات طائفية من سوريا والعراق واليمن وأفغانستان وباكستان، ليكونوا على غرار "حزب الله" اللبناني احد اهم ادوات إيران في تنفيد مبدأ تصدير الثورة .

الميليشيات الطائفية.. بوادر الصعود السياسي

من المرجح ان تلعب هذه الميليشيات دوراً مهيمناً في السياسة العراقية، إذ يتبع العديد منها كتلاً سياسية، ومن المرجح ان تكون أداة ضغط لصالح بعض القيادات لدفع الانتخابات نحو مسارات مرغوب بها، او التحول لحركة سياسية تحاكي نموذج "حزب الله" اللبناني، بجناح عسكري خارج عن سلطة الدولة، حيث أجازت المفوضية العليا للانتخابات تأسيس حزب سياسي بأسم "حزب حركة عصائب أهل الحق" حسب القانون رقم 26 لسنة 2015. اضف إلى ذلك فان تزايد قوة الميليشيات، يرفع من احتمال أن تصبح قوة عسكرية موازية أكثر رسوخاً من القوات النظامية، ما يشكل تهديداً لاستقرار العراق على المدى الطويل.

ومن جانبها، لم تنف القيادات المؤثرة في"الحشد الشعبي" من اعلان طموحها السياسيّ، ونيتها استلام السلطة، لا سيما بعد تهالكتمشروعية الأحزاب والقوى الحاكمة بعد عام 2003 بسبب الفساد والفشل الحكوميّ وزيادة غضب الشارع.

ومن المرجح، ان تنخرط فصائل الحشد الكبيرة والموالية لإيران مثل "تنظيم بدر" و"عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام"، في الصراع والتنافس السياسي الذي سيتصاعد تدريجياً مع اقتراب موعد الانتخابات، وهو ما يعرض مكانة الاحزاب الشيعية للخطر السياسي، فالشعار سيكون "من قدّم الدماء هو الذي يستحق جدارة الصدارة في المشهد السياسي المقبل".

وليس من المستبعد، ان تشن الميليشيات النافذة انقلاباً عسكرياً على السلطة في حال بروز متغيرات تشي بتغييرات حاسمة على مستوى السياسة والحكم، خصوصاً وان قد تم شرعنة أوضاعها عبر اقرار مجلس النواب قانون "هيئة الحشد الشعبي". ليتشكل جيشاً لطائفة بعينها تشرف الدولة على تسليحه وتمويله، ولن يتوانى في الانقلاب عليها اي الدولة بحسب مصالح طهران وتوجهاتها. 

ويزداد الخلاف بشأن الدور المستقبلي للحشد، لا بين المكونات الطائفية والاثنية العراقية المختلفة، ولكن داخل البيت السياسي الشيعي بحدّ ذاته. وبينما تجد شخصيات شيعية مصلحة كبرى في تضخيم ذلك الدور لاتخاذه جسراً للعبور إلى السلطة مجدداً، وتجد شخصيات أخرى مصلحة في تحجيم دور "الحشد الشعبي" لحرمان خصومها ومنافسيها من الاستفادة منه في المرحلة القادمة.

نشير هنا إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي يرى في الميليشيات مكسباً يمكنه من العودة إلى رأس السلطة، بعد أن فقد ثقة الشارع بفعل كوارث حكمه، ومقتدى الصدر الذي يرى في الحشد سلاحاً بيد خصمه وغريمه اللدود المالكي، وأداة لمواصلة تهميش تياره ومنعه من الارتقاء إلى مناصب قيادية في السلطة.

ولا ينفصل الجدل بشأن مستقبل ميليشيات الحشد في عراق ما بعد "داعش" عن صراع النفوذ الذي تخوضه طهران بشراسة ضد واشنطن، التي تنظر إلى تلك الميليشيات باعتبارها ذراعاًإيرانية لترجمة النفوذ السياسي الكبير إلى سيطرة فعلية على الأرض، وهو منظور لا يختلف كثيراً عن منظور الكثير من العراقيين المتضرّرين بشكل مباشر من سلوك الميليشيات في مناطقهم بعد طرد "داعش" من مناطقهم، وما تزال تشارك في مسك الارض هناك. 

ختاماُ يبدو العراق اليوم ملحقاً بالسياسة الإيرانية، تسيره قيادات الميليشيات الطائفية ولن تستقيم حاله الا بقيام دولة على اسس وطنية وديمقراطية وبعقد سياسي جديد، بعيداً عن المحاصصة الطائفية والاثنية والمناطقية، اما عكس ذلك فيعني مزيداً من التدهور وعلى مختلف الاصعدة.

قسم الدراسات الأستراتيجية والمستقبلية


الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟