السيناريوهات المحتملة بعد إستفتاء كردستان

Possible scenarios after the Kurdistan referendum

03-10-2017

السيناريوهات المحتملة بعد إستفتاء كردستان

أدخلت عملية أستفتاء أقليم كردستان العراق يوم 25 سبتمبر 2017 العراق والمنطقة بدائرة الخطر والتغيير الجيوسياسي بعدما قرر القادة الكرد توجيه الشعب الكردي في شمال العراق نحو هذه العملية، وتحديد خيار (الأنفصال) عن البلد الأم كخيار وحيد لهم، متجاهلين طلب الحكومة المركزية بإلغاء هذه الخطوة لإسباب عدة كان من أبرزها، عدم دستوريتها، ولإن العراق برمته يسعى لإنهاء نفوذ التنظيم الإرهابي (داعش) فوق أراضيه، إضافة إلى شمول مناطق عديدة خارج إقليم كردستان بهذا الإستفتاء، وهي مناطق متنازع عليها تسيطر عليها قوات البيشمركة الكردية فيما يفترض أن تكون تحت سلطة القوات ألأتحادية حتى يتم حسم أمرها دستوريا (المادة 140) .

ورغم كل التنبيهات وحتى التحذيرات من العاصمة بغداد سواء كانت تشريعية ممثلة بمجلس النواب العراقي أم تنفيذية من خلال مجلس الوزراء، أو تلك التي أتت من دول الجوار الإقليمي للعراق (تركيا ، إيران ، سوريا)، ورغم عدم إبداء أي بلد في العالم (بإستثناء إسرائيل) قبوله لما ذهبت إليه قيادة إقليم كردستان العراق، إلا أن الأستفتاء جرى في الوقت والصيغة التي أريد له أن يكون عليها، وخرج الشعب العراقي الكردي داخل وخارج العراق ليقول (نعم) للأنفصال عن العراق وبنسبة تجاوزت الـ 92 بالمائة (بحسب المفوضية العليا للإنتخابات في الأقليم).

الآن وقد تم أمر الأستفتاء، وبدأت بعض التحذيرات تتجسد بإجراءات فعلية على أرض الواقع، كأوامر بغداد للسيطرة على المطارات الدولية في أربيل والسليمانية وكذلك منفذ إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا في منطقة زاخو، ثم أعتزام حيدر العبادي تعيين محافظ جديد لمحافظة كركوك، وسيكون على الأغلب بصلاحيات حاكم عسكري مطلق لإدارة شؤون المحافظة مدعوما بقوى أمنية وعسكرية ومن الحشد الشعبي، مع تحركات عسكرية مشتركة عراقية – تركية، عراقية – إيرانية، لإحكام الطوق على مناطق إقليم كردستان وخنقها، ومن ثم إجبارها على التراجع وإلغاء نتائج الإستفتاء، والعودة إلى الحالة التي سبقت سيطرتها على المناطق المتنازع عليها .

بغداد التي تستثمر المادة 109 من الدستور العراقي، والتي تنص على أن "السلطات الاتحادية تحافظ على وحدة العراق ونظامه الاتحادي"، أي أن قوات الأمن الاتحادية، والمؤسسات التشريعية والوزارات والمحكمة العليا وغيرها، يمكنها أن معاقبة الإقليم الساعي للانفصال حتى يرعوي ويعود عن هذا الأمر، وهو ما قامت وستقوم به حكومة العبادي وبتنسيق كبير مع أنقرة ووطهران .

مسعود برزاني أملّ نفسه، ومازال، بإن الخطوة التي دعا شعبه لإجرائها (الإستفتاء) هي من الناحية الرسمية قائمة على أساس الحصول على نتائج قانونية ملائمة ومتطابقة مع قواعد القانون الدولي في موضوع حق الشعوب في تقرير مصيرها، النتائج القانونية للإستفتاء طبعا لا يريد برزاني إستخدامها الآن، بل على المدى البعيد، كما يحاول أن يهرب من قواعد القانون الدولي إلى ما يشار إليه بحكم "العرف والعادة"، أي إسوة بإي حالة إنفصال جرت حول العالم، وهو ما سينطبق أيضا على أية حالة مشابهة في تركيا وإيران سواء فيما يخص مواطنيهم الأكراد أم سواهم، لكن مستشاري رئيس إقليم كردستان ربما لم يوضحوا له بصدق جدوى إجراء الأستفتاء دون موافقة الدولة ذات العلاقة (العراق) حيث تنص المادة (8) البند (4) من ميثاق حقوق الأقليات للأمم المتحدة أنه "لا يمكن القبول بأي إجراء يمكن أن تقوم به الأقلية، ضد سيادة ووحدة واستقلال الدولة".

أما وقد تم الإستفتاء وأعلنت نتائجه رسميا، وحصل الحراك المضاد لهذه الخطوة عراقيا وإقليميا ودوليا، فما هي السيناريوهات المتوقعة في العراق والإقليم وعموم المنطقة المتأثرة به ؟

-في حقيقة الأمر فإن أول هذه السيناريوهات هو الحصار الإقتصادي التدريجي على الإقليم ومن قبل جميع دول الطوق ، والجميع يعلم أن إقليم كردستان ليس لديه منفذ بحري وأنه يعتمد على وارداته وصادراته على الطرق البرية والجوية ، والثانية تم تعطيلها بشكل شبه تام خصوصا بعد فرض بغداد حظرا جويا ربما يمنع أي أستخدام لإجواء الأقليم دون موافقة السلطات المركزية . والحصار الأقتصادي كما يرى الكثير من المراقبين قد يكون سببا كافيا لتراجع الإقليم عن توجهه المطلق نحو التمسك بنتائج الإستفتاء بسبب الضغط الجماهيري المتوقع والذي ربما بدت أولى بوادره خلال الأيام الثلاثة التي أعقبت قرارات العراق وإيران وتركيا بخصوص تقنين الحركة التجارية عبر الحدود مع إقليم كردستان ووقف أو تحديد حركة الطيران والمبادلات التجارية مع أربيل والسليمانية ، إضافة إلى سحب الشركات العاملة في الإقليم مما يعني بطالة اعداد كبيرة من المواطنين الكرد. كما حذر الخبير الإقتصادي همام الشماع من نتائج تنفيذ قرار مجلس النواب القاضي بمنع البنك المركزي من بيع العملات الأجنبية للمصارف العاملة في كردستان وقال " إن هذا القرار هو أشد أنواع الحصار الإقتصادي والذي سيمس حياة المواطن الكردي ويفرض حالة من التجويع" .

-العمل على إيقاف ضخ النفط المنتج في إقليم كردستان العراق عبر ميناء جيهان التركي وهو ما يعني بالنتيجة إصابة إيرادات الإقليم بالعجز والشلل خلال فترة وجيزة لا تتجاوز بضعة أشهر

-السيطرة على المناطق المتنازع عليها من قبل القوات العراقية الأتحادية وبالأخص محافظة كركوك وسهل نينوى وطوزخورماتو وقد يكون هذا الأمر سببا في حدوث مواجهات بين البيشمركة وهذه القوات خصوصا في كركوك التي تمثل العاصمة الأقتصادية لـ(دولة) كردستان الموعودة .

-تدخّل الولايات المتحدة وعبر نافذة الأمم المتحدة لإيقاف المواجهات أو الإشتباكات والتصعيد بين كل الأطراف من خلال إقتراح قوة أممية تكون بديلة عن القوات الأتحادية وقوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها لحين حسم الخلافات عبر الحوار الذي سيكون برعاية أميركية مباشرة .

-إستمرار مسعود بارزاني في إستفزاز بغداد ودول الجوار بإصراره على تبني نتائج الإستفتاء حتى يتحقق له ما خطط له ربما وبتوجيه إسرائيلي ، هجوم عسكري أو عمليات جوية من قبل هذه الدول ، وهو ما سيدفع واشنطن وعواصم أخرى وبدفع إسرائيلي على تطبيق القرار "A377" المعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام"، أو تفعيل مبدأ "هايز" الذي يقضي بالاعتراف بالحكومات أو السلطات الجديدة لإقليم ما، في حال تعهدت هذه السلطات برعاية المسؤوليات الدولية الملقاة على عاتقها.

-هناك سيناريو ربما يقلب الطاولة من جديد على الوضع الأمني في المنطقة ؛ تماما كما كان الحال نهايات عام 2013 وبدايات عام 2013 عندما قرر رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي تشكيل قيادة عمليات خاصة بالمناطق المتنازع عليها المعروفة بـ "قيادة عمليات دجلة" لتبسط نفوذها في أول هذه المناطق (كركوك) ، وهو ما أثار غضب وحفيظة الجانب الكردي ، لكن سرعان ما تبدد هذا التشكيل بعد ظهور تنظيم (داعش) الإرهابي منتصف عام 2014 فكان سببا في إنسياح البيشمركة إلى جميع المناطق المتنازع عليها وأكثر، وبنفس الظروف تقريبا ومع جاهزية القوات الأتحادية لبسط نفوذ الحكومة المركزية على هذه المناطق، يخرج زعيم تنظيم (داعش) بخطاب يحث فيه أتباعه على القتال بما يوحي بإيتنتاجات كثيرة للربط والعلاقة بينه وبين أحد طرفي الصراع .

-قد تدفع العقوبات الأقتصادية والسياسية حالة الصراع الحقيقي بين قطبي المعادلة الكردية (طالباني – برزاني) إلى واجهة الصدام مجددا، بعد أن ارتأى حزب طالباني عدم التقاطع مع برزاني لسببين أولهما ضعف الحنكة السياسية لدى قرينة جلال طالباني، السيدة هيرو والتي تتولى قيادة الحزب من بعد زوجها، وثانيهما خشية الطالبانيين من السير عكس حركة الجماهير الكردية المتعاطفة مع موضوع الأستفتاء، هذا الصدام بين الحزبين والمدينتين قد يفضي إلى إعلان السليمانية رفضها لنتائج الإستفتاء وبذلك تترك برزاني وحده ليواجه الموقف المتازم في عموم الإقليم .

إن إعلان "الأمم المتحدة لمبادئ التعاون والعلاقات الودية"، يؤكد على ضرورة عدم الاعتراف بالسيطرة الفعلية للدول والكيانات على مناطق أخرى بقوة السلاح أو في أثناء وجود حالة عدم استقرار، كما أن العراق مرتبط بمجموعة أتفاقيات مع جارته تركيا وبرعاية بريطانية وأهمها أتفاقية عام 1926 ، هذه الأتفاقية تنص في مادتها الأولى على أن "العراق له صاحب السيادة على الموصل، وتشترط في المادة الخامسة على أن "الحدود بين العراق وتركيا لن تتغير"، وهذا ما يمنح تركيا حق التدخل العسكري أو أي إجراء آخر، وفي 22 سبتمبر 2017 رفض مجلس الأمن الدولي الأستفتاء قبل إجراءه بما يعني رفض كل ما يترتب عليه من إجراءات أو تبعات بعد ذلك التاريخ .

د.فارس خطاب

باحث في وحدة الدراسات الاستراتيجية

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟