مؤشرات النمو المتصاعدة في سياسات التنوع الاقتصادي في دولة الإمارات العربية المتحدة

Indication of increasing growth in diversification policies in the UAE

16-09-2017


تركز السياسة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة على تنويع الصادرات تعكس، على وجه التعميم، تحولات بنيوية في أنماط الإنتاج السائدة في البلاد؛ بمعنى الانتقال من إنتاج سلع متدنية من حيث القيمة والمستوى التكنولوجي إلى التوسع في إنتاج سلع عالية القيمة ومتطورة تكنولوجياً. ويبدو هذا التوجه، يتماهى بشكل أكثر وضوحاً، مع سياسات البلدان المتقدمة بوجه خاص، التي تبسط هيمنتها في الوقت الحاضر على السوق العالمية للسلع المصنعة الفائقة الجودة، بعد أن كانت –أي هذه البلدان – إبّان القرن العشرين المصدّر الأكبر للمنتجات والسلع الزراعية أو الصناعية، أو الاثنين معاً.

وتشغل البضائع والسلع المستوردة حيزاً كبيراً في السوق الإماراتية، فضلاً عن أن المنتجات المصنعة أوالمجمعة محلياً تعتمد اعتماداً كبيراً على المواد الأولية المستوردة. وعلى الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة أصبحت مركزاً تجارياً إقليمياً، فإن النفط كان – وما يزال – يشكل العنصر الأساسي من صادرات هذا البلد، في حين أن الصادرات الرئيسية الأخرى، إما مواد خام مستوردة تمت معالجتها أو بضائع يُعاد تصديرها، مشيرة إلى أن الإمارات العربية المتحدة تعد أحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بتداعيات "الصدمات" التجارية التي تتقلب خلالها أسعار السلع العالمية. وبالمقارنة مع غيرها من البلدان المنتجة للنفط في المنطقة، فإن اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة يعد أكثر تنوعاً نسبياً، إذ يسهم قطاع الخدمات إلى حد كبير في الناتج الاقتصادي للبلاد. وعلى الرغم من أن هذا قد خفف كثيراً من حدة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، إلا أن قطاع الصناعات التحويلية ما يزال صغيراً نسبياً، ويعتمد بدرجة كبيرة على المدخلات الصناعية وعلى المواد المستوردة التي تدخل في صناعة السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، فإن هناك مؤشرات أمست بادية للعيان تدلل على تنامي حجم الإنتاج المحلي ومطمئنة إلى حد كبير.

مؤشرات توسع الإنتاج

مع حلول الألفية الجديدة، استحوذت البضائع المستوردة على النصيب الأكبر من السوق الإماراتية. بيد أن ما يجدر ذكره هنا هو أن المنتجات التي تحمل عبارة "صنع في الإمارات" بات يسهل العثور عليها في المتاجر الكبيرة ومحال البقالة، الأمر الذي ينبيء باتساع قاعدة الأنشطة التصنيعية. بل ووجد هذا الانطباع ما يسنده في طبيعة المسار المتصاعد الذي اتخذته تجارة مدخلات هذه الأنشطة،وذلك في ضوء صِغر حجم القطاع الزراعي في البلد واقتصار منتجاته على تلبية حاجة المستهلكين المحليين.

وكما يتضح من الشكل في ادناه، فإن واردات البلاد من المدخلات الصناعية قد ارتفعت بشكل عام في السنوات الأخيرة، على الرغم من الانخفاض الذي طرأ في الآونة الأخيرة على أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية وعلائم الضعف التي انتابت حركة التجارة العالمية إجمالاً. فبعد أن لم تزد قيمة الواردات السنوية من هذه المدخلات عن 69 مليار دولار أمريكي فقط في العام 2007، ارتفعت إلى 165 مليار دولار في عام 2013، ومن ثم إلى 174 مليار دولار في العام التالي، قبل أن تتراجع قليلاً في السنوات اللاحقة لتبلغ قيمتها في عام 2016 – مثلاً – ما يربو على 122 مليار دولار. وعلى مدى هذه السنوات، كان نصيب الاستخدامات المحلية من المدخلات الصناعية المستوردة يزيد على النصف.  

ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة الإحصائية لتجارة السلع الأساسية التجارية: الصادرة في (11 /أغسطس من العام الجاري، فإن القيمة الإجمالية لواردات الإمارات العربية المتحدة من المدخلات الصناعية ونصيب الاستخدامات المحلية منها(2007–2016) تكشف■ القيمة الإجمالية للواردات (مليار دولار) والنسبة المئوية من إجمالي الواردات،● الاستهلاك المحلي (مليار دولار) 




 وباستثناء سنوات الذروة، فقد حافظت الحصة السنوية من المدخلات الصناعية – التي يُستبقى عليها لأغراض الفعاليات الاقتصادية المحلية – على استقرارها النسبي عند معدل يزيد قليلاً على 60%.  فقد انخفضت هذه الحصة من 61% في عام 2012 إلى 57% و 58% في العامين 2013 و 2014، على التعاقب. وكما توحي هذه الأرقام، فإن الزيادة في إجمالي الواردات يمكن أن تعزى في المقام الأول إلى ارتفاع الطلب في أسواق إعادة التصدير. وبينما ارتفع إجمالي واردات المدخلات الصناعية بنسبة 41% في عام 2012، فقد سجلت القيمة الموازية للمدخلات التي تستبقى في السوق المحلية نمواً أدنى لا يزيد على 27%، أو ما يعادل 100 مليار دولار تقريباً. ورغم تراجع إجمالي قيمة واردات المدخلات الصناعية خلال العامين المنصرمين، فقد شهد نصيب الاستهلاك المحلي منها ارتفاعاً ملحوظاً. وهكذا، ففي الوقت الذي انخفض فيه إجمالي قيمة الواردات بنسبة 32% في عام 2015، سجلت القيمة المقابلة للمدخلات التي يتم استهلاكها في النشاطات الاقتصادية المحلية معدل تباطؤ أدنى بنسبة قدرها 16%. ولم يكن "الانتعاش" الذي شهده العام التالي أفضل حالاً بالنسبة لقيمة هذه المدخلات إذ لم يتخطَ نسبة 9%. وعلى وجه التعميم، لم يزد معدل نمو القيمة الكلية لواردات المدخلات الصناعية عن 5%.

 

تغير تركيبة المدخلات الصناعية المستوردة

وتعكس التحولات التي طرأت على كل من تركيبة المدخلات الصناعية المستوردة والحصة المخصصة منها لاستهلاك السوق المحلية، مسار نمو قطاع الإنتاج على امتداد السنوات العشر الماضية، ففي عام 2007، بلغ نصيب إجمالي واردات المدخلات الصناعية من التجهيزات والإمدادات الصناعية المستوردة (التي قُدرت قيمتها بما يربو على 41 مليار دولار) قرابة 59%، تم الإبقاء على 74% منها (أو ما يعادل 30 مليار دولار) لسد حاجة السوق المحلية. وفي عام 2016، واصلت المنتجات هيمنتها على واردات المدخلات الصناعية، وإنْ بنسبة أدنى قليلاً لم تتجاوز 55% تقريباً. ومع ذلك، فإن قيمتها، التي بلغت 67 مليار دولار، كانت أعلى بنسبة 64% بالمقارنة مع الرقم الذي تحقق في عام 2007. وأظهرت الكميات التي أُستبقي عليها لأغراض السوق المحلية ارتفاعاً كبيراً بقيمة 56 مليار دولار التي تمثل ما نسبته 85% من إجمالي واردات فئة المنتجات، أي بزيادة بلغت 86% على ما كانت عليه قيمتها قبل عشرة أعوام مضت، وكما هو مبين في الجدول أدناه في توضيح إجمالي الواردات الرئيسية من المنتجات المخصصة للأغراض الصناعية وقيمة الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي(لعامي 2007 و 2016):

 

 

السنة/المنتج

أجمالي الواردات

المدخلات المحلية

القيمة (مليار دولار)

نسبة مئوية من إجمالي الواردات

القيمة (مليار دولار)

نسبة مئوية من إجمالي الواردات

                  2007

إمدادات وتجهيزات صناعية، تمت معالجتها

41

59%

30

74%

إمدادات وتجهيزات صناعية، تمت معالجتها

14

20%

9

68%

قطع غيار/ملحقات تكميلية للسلع الرأسمالية (باستثناء معدات النقل)

8

11%

5

70%

معدات نقل (صناعية)

3

5%

2

75%

أخرى

4

6%

2

38%

المجموع الكلي (2007)

69

100%

49

70%

                   2016

إمدادات وتجهيزات صناعية، تمت معالجتها

67

55%

56

84%

إمدادات وتجهيزات صناعية، تمت معالجتها

25

20%

17

71%

قطع غيار/ملحقات تكميلية للسلع الرأسمالية (باستثناء معدات النقل)

9

7%

6

69%

معدات نقل (صناعية)

11

9%

10

88%

أخرى

11

9%

2

21%

المجموع الكلي (2016)

122

100%

91

75%








لقد واصلت السلع الرأسمالية (باستثناء معدات النقل) الاحتفاظ بموقعها كثاني أكبر فئات المدخلات الصناعية التي استوردت إلى الإمارات العربية المتحدة في العام 2016، إذ بلغت القيمة الإجمالية للواردات 25 مليار دولار، أي ما يزيد بنسبة 80% على القيمة المسجلة في العام 2007. وعلاوة على ذلك، فقد ارتفعت النسبة المئوية التي خصصت لتلبية احتياجات السوق المحلية إلى 71% بعد أن كانت قد بلغت 68% قبل عشر سنوات. من ناحية أخرى، سجلت واردات قطع الغيار/الملحقات التكميلية الخاصة بالسلع الرأسمالية (باستثناء معدات النقل) نمواً متباطئاً، حيث بلغت قيمة هذه الواردات 9 مليارات دولار في عام 2016، أي بزيادة قدرها 19% فقط مقارنة مع قيمتها المسجلة في العام 2007. ويأتي تدني نسبة الحصة المخصصة للسوق المحلية إلى 69% (أو ما يعادل 6 مليارات دولار) ليؤشر زيادة لم تتجاوز 17% فقط عن القيمة التي كانت عليها قبل عقد من الزمن.

وأنسجاماً مع اتساع قاعدة الإنتاج، فقد شهدت واردات معدات النقل المخصصة للاستخدامات الصناعية ارتفاعاً كبيراً؛ حيث بلغت قيمة هذه الواردات 11 مليار دولار تقريباً في عام 2016، أي ما يعادل أربعة أضعاف قيمة المنتجات المماثلة المستوردة في عام 2007. أضف إلى ذلك أن القسم الأعظم من هذه الواردات (88% منها تقريباً) تم تخصيصه لتلبية الاستخدامات الداخلية.

وثمة مؤشراً آخر يدلل على تنامي معدلات الإنتاج المحلي وهو الذي يتمثل، أولاً، في المنحى الذي اتخذته الواردات، وفي حجم الحصص التي يُحتفظ بها في السوق المحلية من السلع الاستهلاكية غير الغذائية، ثانياً. ففي العام 2016، ازدادت الواردات (التي قُدرت قيمتها بنحو 53 مليار دولار) بنسبة 59% عما كانت عليه في العام 2007. ومع ذلك، فإن معدل حصص السوق المحلية منها تراجع إلى 52% بعد أن كان هذا المعدل قد بلغ 59% قبل عشرة أعوام مضت.

توقعات الإنتاج المحلي

علی الرغم من التحسن الذي طرأ على أسعار النفط العالمية في الآونة الأخیرة، فإن التوقعات المرتبطة بقطاع الإنتاج [النفطي] المحلي ما برحت متخلفة عن سائر القطاعات غیرالنفطیة. أضف إلى ذلك أن التكهنات ذات الصلة بحركة التجارة العالمية لما تزل في عالم الغيب، وإن وجدت فهي متواضعة جداً في أحسن الأوصاف. ومن هنا، فإن المساعي التي تبذلها الإمارات العربية المتحدة باتجاه التنويع الاقتصادي تتطلب متابعة فاعلة ونشطة. وفي هذا المضمار، فإن العمل ماضٍ قدماً نحو صياغة سياسات تتناغم مع اقتصاد السوق الحرة ووضعها موضع التطبيق بغية معالجة مواطن الضعف المشار إليها في استقصاءات تقييم السوق كيما تشمل النتائج والاستنتاجات التي خلص إليها التقرير الذي يصدره البنك الدوليحول ممارسة الأعمال التجارية "World Bank’s Doing Business Report". ولقد اجتذبت البيئة الإماراتية المحلية بالفعل فروعاً لكبريات الشركات المتعددة الجنسية ولشركات محلية تنشط في إنتاج شتى أنواع السلع والبضائع، بدءاً بالأغذية والملابس وما شابهها من المنتجات الشخصية، وانتهاءً بمعدات النقل والتكنولوجيا.

الخلاصة

إن السياسة الإقتصادية ومهما يكن، فإن مؤشرات السوق التي صدرت حديثاً تنبيء أيضاً بتزايد قوة قطاع الصناعات التحويلية. فقد خلصت آخر المسوحات الاستقصائية التي أجريت مطلع هذا العام لاستشراف دلائل مستقبل الأعمال التجارية إلى أن هذا القطاع يتجه نحو الانتعاش والتنامي على نحو مطّرد. وقد وجد هذا الاستنتاج ما يعززه في تعاظم الطلب المحلي القوي المتوقع، وكما يوحي بذلك ارتفاع مؤشر مديري المشتريات لقطاع البيع بالجملة والتجزئة الذي أصدره بنك الإمارات-دبي الوطني مؤخراً.

الدكتورة ماريتامورادا

خبيرة بالتجارة والنماذج الرياضية


الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟