معركة تلعفر: صراع المصالح والنفوذ والديموغرافية الجديدة

Coming Soon

23-08-2017

أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، فجر يوم الأحد المصادف 20/8/2017، انطلاق عمليات استعادة مدينة تلعفر، آخر أكبر معاقل تنظيم "داعش" في محافظة نينوى بشمال العراق. وتأتي هذه العملية بعد أكثر من شهر من إعلان رئيس الوزراء العراقي تحقيق "النصر" في مدينة الموصل، اثر معارك ضارية استمرت تسعة أشهر. وأوضح العبادي أن القوات العراقية كافة من جيش وشرطة اتحادية وقوات مكافحة الإرهاب و"الحشد الشعبي" والقوات المحلية ستشارك في العملية العسكرية، بمساندة من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وكان المتحدث باسم الجيش الأميركي ريان ديلون قد اعلن ان قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية تستعد لمعركة تلعفر مع القوات العراقية، وانها شنت ما لايقل عن 50 غارة جوية ضد "داعش" قبل بدء القتال.

ووفقاً لقيادات عسكرية، فان القوات التي ستشارك في معركة تلعفر؛ هي عدد من وحدات مكافحة الإرهاب، والفرقتان المدرعة التاسعة والسادسة عشر للجيش، واللواء الثالث لقوات التدخل السريع، والشرطة الاتحادية، واربعة فصائل شيعية، هي "فرقة العباس القتالية" و"لواء علي الاكبر" و"فرقة الامام علي"، إضافة إلى فصيل "لواء الحسين 53" وغالبية مقاتليه من سكان تلعفر للإفادة منهم في معرفة جغرافية المدينة.

المستشارون الايرانيون و"حزب الله" اللبناني في معركة تلعفر

وبحسب ما قاله الناطق باسم مليشيا "الحشد الشعبي" أحمد الأسدي فان إيران و"حزب الله" يشاركان بمعركة تلعفر ويضعان الخطط للمعارك، ولهم دور كبير في ما وصفها بالنجاحات التي حققتها القوات العراقية في المعارك السابقة.

وتثير معركة تلعفر الحديث حول تصاعد النفوذ الإيراني في العراق، الذي لن يكون بمقدور الولايات المتحدة الحد منه او تقويض وشائجه، إذ باتت طهران اليوم المتغير الاكثر نفوذاً في توجيه السياسة العراقية عبر شخصيات رسمية واذرع عسكرية ميليشياوية وطبقة منتفعة من رجال الدين.

ولهذا فان مهام الميليشيات الشيعية غرب الموصل اليوم هي جزء من ورشة إيرانية تشارك في إنجازها قوى مختلفة تعمل على تحقيق طموحات طهران، وإعادة تشكيل خارطة المناطق السنية، بما يسمح لها من تثبيت نفسها كقوة منافسة متربصة بقوة اقليمية اخرى، قد يدفعهما التنافس في لحظة معينة الى الصراع العسكري.

تلعفر ..تحديات جيوستراتيجية     

ويعد قضاء تلعفر الأكبر بين أقضية محافظة نينوى، يبعد عن الموصل بحدود (70 كلم) وكان تنظيم "داعش" قد سيطر على القضاء في 15 حزيران/ يونيو2014، بعد مواجهات ، انسحبت على اثرها القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك، أعقبها نزوح آلاف السكان. وتتبع قضاء تلعفر ثلاث بلدات صغيرة هي ربيعة والعياضية التي يسيطر عليها "داعش"  وزمار التي تسيطر عليها قوات البيشمركة.

ولتلعفر أهمية إستراتيجية بالغة نظرًا لقربها من سوريا وتركيا، إذ تقع على بعد (50 كلم) جنوب الحدود التركية، وتبعد عن الحدود السورية بنحو (60 كلم). وهذا الموقع يجعلها احد محاور الصراع الإقليمي، وتبدي كلا من الولايات المتحدة وتركيا تخوفاً من سعي طهران للسيطرة على هذه المدينة عن طريق المليشيات الحليفة لها؛ بغية تأمين ممرٍ بري يُمكن لإيران من خلاله أن ترسل مسلحين وموارد من العراق إلى سوريا وإلى لبنان، حيث "حزب الله". والذي ينطلق من الموصل نحو الحضر إلى تلعفر ثم البعاج ومنها إلى سوريا، حيث دير الزور والميادين والحسكة والرقة. وبالتالي تحرص طهران على السيطرة على تلعفر بواسطة الميليشيات الشيعية، ضمن مساعيها للسيطرة على الحدود السورية – العراقية، وهذا يعني أنها ستتحول مستقبلاً إلى منطقة نفوذ إيرانية.

ولم تجدي نفعاً الاستباقية التي ابداها قائد القوات البرية الأمريكية في العراق جوزيف مارتن، بقوله إنه يتوقع أن يقود الجيش العراقي معركة تلعفر، لافتًا إلى أن مستشاري الولايات المتحدة سيكونون هناك معهم، وأن الولايات المتحدة لن تتعاون مع المليشيات.

وتؤكد الدلائل ان ميليشيات "الحشد الشعبي" تفرض منذ بدء معارك الموصل، حصاراً مطبقاً على تلعفر، حيث تنتشر في جنوب وغرب المدينة عند مناطق تل عبطة والمطار العسكري وصولا إلى بلدة سنجار، بينما ترابط قوات البيشمركة شمالاً، بينما تتواجد قوات الجيش العراقي شرقاً عند ناحية بادوش.

ولعل من أبرز التحديات التي ستواجه قوات الامن العراقية أن أحياء المدينة تشبه الى حد كبير أحياء الجانب الغربي من الموصل، فهي متداخلة ومنازلها قديمة تعود إلى غالبية سكانها محدودي الدخل، وهو ما قد يكرّر سيناريو معركة غرب الموصل التي احدثت دماراً هائلاً في المدينة.

وبدا واضحاً حجم التأثير الطائفي على السكان في المدينة، فالتركمان السنّة يميلون إلى تركيا، بينما يوالي التركمان الشيعة إيران، هذه الولاءات المختلفة من جانبيهما، ربّما ستشعل صراعاً محتدماً في المدينة، وقد يسهّل عملية التدخلين الإيراني والتركي فيها، وربما يتطور ذلك إلى تواجد عسكري.

تحديات عسكرية وسياسية وديمغرافية

ومن وجهة نظر عسكرية، قد يكون إنهاك القوات العراقية في المعارك الاخيرة مع "داعش"، سبباً في إضعاف قدرتها الهجومية خلال معركة تلعفر، خصوصاً وان الحكومة قررت مشاركة القطعات العسكرية نفسها التي شاركت في معركة الموصل، حيث تعد قوات جهاز مكافحة الارهاب، التي تعتبر رأس الحربة في غالبية المعارك، وتقوم بالمهمة الرئيسة في اختراق الخطوط الدفاعية وهي الاكثر تضرراً  وخسائراً.

تداعيات الازمة الدبلوماسية بين بغداد وانقرة، بسبب رفض قوات تركية الانسحاب من معسكر زليكان الذي يبعد (50 كلم) عن بلدة بعشيقة شمال الموصل، قابلة للتصعيد من جديد، فالقلق الذي يراود الاتراك يكمن في تحالف الميليشيات الشيعية مع حزب العمال الكردستاني لشن هجمات على بلادهم، أو تسهيل إيصال السلاح إلى الحزب الذي يقاتل ضدّ الجيش التركي.

وبنفس المعنى، فان المخاوف التركية، من حدوث تغيير ديمغرافي في المدينة، ستنعكس سلباً على مصالح انقرة، إذ سيُعيد الأكراد تمركزهم في تلعفر على حساب الأغلبية التركمانية الغالبة فيها، خصوصاً وان ثمة تعاون بين حزب العمال الكردستاني، وميليشيات "الحشد الشعبي" في محور ذمار-سنجار، يشي باحتمال تأسيس "تكتل للخصوم" ضدها على هذا المحور.

يضاف إلى ما تقدم، فان التحذيرات التركية من حدوث عنف طائفي يطال التركمان السنّة في المدينة، تقف خلفها اعتبارات مصالح الامن القومي التركي لجهة منع اية قوة كردية من تحقيق مرتكزات جديدة ضاغطة ضدها، اكثر من كونها خشية من مواجهات طائفية.

وهو ما حمل الرئيس أردوغان في 29 تشرين الاول/ أكتوبر 2016 على القول: "إنّ مدينة تلعفر التركمانية قضية حساسة بالنسبة إلينا، وفي حال قام الحشد الشعبيّ بأعمال إرهابية هناك، سيكون ردنا مختلفاً". وأضاف أردوغان أن المعلومات التي تلقّاها لم تؤكّد مثل هذا العمل، من دون أن يشير إلى أيّ تفاصيل عن الأعداد المتعلّقة بالتعزيزات أو كيف سيكون الردّ المختلف.

وليست تطمينات الحكومة العراقية لانقرة حول عدم حصول اعمال عنف طائفية، جراء مشاركة الفصائل الشيعية في المعركة ما يعوّل عليه، فغالباً ما يؤكد الجانب الرسمي العراقي عدم مشاركة الحشد في الحرب، لينتهي الحال إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة وتصفيات جسدية واغتيالات واختطافات طائفية، تقوم بها ميليشيات موالية لإيران.

يكمل ما تقدم اصرار الميليشيات الشيعية على المشاركة في المعركة، ففي 19 من تموز /يوليو الماضي عقد كبار قادة الميليشيات وهم هادي العامري زعيم منظمة "بدر" وقيس الخزعلي زعيم "عصائب اهل الحق" وابو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" وزعيم "كتائب حزب الله" اجتماعا لبحث المشاركة في المعركة، مؤكدين اشتراكهم في المعركة.

 وعلى هذا الاساس، فان تحدياً سياسياً يواجه رئيس الوزراء حيدر العبادي، يدور حول الحد من تبعات الشد والجذب التركي الايراني بخصوص المعركة، ويرجح عدداً من المحللين ضرورة اعتماد الوسائل الدبلوماسية في حسم الصراع بين الطرفين قبل التفكير في الخطط العسكرية.

نذكّر هنا، بما حدث عندما هاجم الجيش العراقي مدينة الموصل في تشرين الاول/اكتوبر الماضي، واتُخذ قراراً حكومياً باستبعاد الميليشيات الشيعية من المشاركة في المعركة، لكنها تمكنت من الالتفاف حول المدينة والتوجه غرباً نحو مدينة تلعفر وخاضت معارك للسيطرة على ضواحيها، ولكن تهديدات تركية أجبرتها على التوقف وعدم اقتحام المدينة، وانسحبت باتجاه الغرب، عند بلدة البعاج على الحدود السورية.

وليس من المستبعد ان تفضي معركة تلعفر إلى إعادة تشكيل العراق، فالقوى الاقليمية تجدها فرصة سانحة لتوسيع نفوذها في المدينة تحت غطاء محاربة تنظيم "داعش ".

إيران تريد ان تكون المدينة منطلقاً لممر استراتيجيي يمتد من طهران ويخترق شمال العراق، ويمر بشمال سوريا حتى يصل إلى اللاذقية على البحر المتوسط في الغرب (أي يفتح منفذ لإيران على البحر) ثم ينحدر جنوبا ليصل إلى لبنان.

اما تركيا، فانها تخشى من تأسيس محور عسكري يتحالف به الكرد مع الشيعة ضدها، وتتمسك بعزمها على قطع الطريق أمام إقامة الأكراد كياناً لهم على امتداد الحدود السورية مع تركيا.

تلعفر اليوم نقطة صراع اقليمي ودولي.. ستغير معاركها وجه التحالفات في المنطقة.

وحدة الدراسات الاستراتيجية

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟