عبد المهدي في مواجهة ضغوط إيرانية: حكومة بحقائب شاغرة

ana

04-12-2018

بعد حوالي خمسة أشهر من الانتخابات البرلمانية، أُعلن في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 عن تشكيل الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي، والتي نالت ثقة البرلمان لـ 14 وزيراً من جملة 22 وزيراً مقترحاً، فيما تم تأجيل نيل الثقة لعدة وزارات إلى وقت لاحق منها وزارتي الدفاع والداخلية.

ومنذ لحظة الاعلان عن الحكومة، تصاعد لهاث المساومات والابتزاز بين الاحزاب والكتل السياسية، في بلد تجرع ابنائه (الحرية)، فقراً ومرضاً واهمالاً، تتجاذبه ارادة إيرانية تسيطر على مفاصل مؤسساته وتسيّر سياساته، واخرى امريكية تبدو محدودة التأثير، قياساً بامكانات الاولى وحجم امتدادها الداخلي وخطابها الطائفي الذي يلقى صداً لدى فئات واسعة من الشعب.

ويقف عبد المهدي اليوم صامداً، في محاولته التخفيف من ضغوطات ممثلي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في العراق، ممن يعرقلون اختيار وزراء الحقائب السيادية حتى الآن؛ على رأسهم السفير الايراني في العراق العميد الحرسي إيرج مسجدي، الذي اشرف على تشكيل الميليشيات الطائفية وتقوية شوكتها. بينما دعم الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني تنصيب عبد المهدي بوصفه شخصية شيعية معتدلة، تستطيع ان تتحاور مع واشنطن، وهو امر قد يعجز عن القيام به صقور الاحزاب الشيعية الموالين لإيران، في اعتاب مرحلة دقيقة تعيشها طهران مع انطلاق الحزمة الثانية من العقوبات الامريكية عليها.

ولعل ما تريده طهران، في ظل العقوبات الامريكية عليها يتمثل في ابقاء اليمين الشيعي المتشدد بعيداً عن رئاسة الحكومة، وليس مبعداً عن التأثير في قرارتها وإدارة توجهاتها، وما انسحاب هادي العامريزعيم "منظمة بدر" المعروف بولائه الشديد لطهران، من سباق رئاسة الحكومة الا انعكاس لهذه الارادة وامتثال لها. 

إيران وحسم ملف الوزارات السيادية

ولا يمكن الحديث عن حسم ملف المرشحين للمناصب الوزارية السيادية، دون موافقة طهران، واعتماداً على تجارب الماضي القريب لنقيس عليها ما يمكن ان يحصل: إذ اوجد العراق جسراً جوياً عسكرياً إبان حكومة نوري المالكي الثانية، لدعم نظام الاسد والميليشيات الشيعية المتحالفة معه، والتي امنت للاسد البقاء على سدة السلطة.

وهو ما يحمل على القول قياساً، ان السعي الايراني اليوم يتجلى في الاستحواذ على حصة من عقود التسليح العراقي، لتحريك جانب من اقتصادها المحاصر، وبما يمكنها من تمويل اذرعها الارهابية الخارجية من الميزانية العراقية، والابقاء على انشطتها المزعزعة لاستقرار المنطقة.

ولاشك في ان إيران تدرك حاجتها للسيطرة على الوزارات السيادية العراقية، وتحديداً خلال إدارة الرئيس ترامب، بعد ان اعلن عن سياسته الرامية إلى مكافحة الأنشطة الإيرانية الارهابية في العالم العربي، وصولاً لمنع اي قرار وطني مستقل يعيد هيكلة هاتين المؤسستين، ويمنحهما فسحة من الاستقلالية ومراعاة الاعتبارات الوطنية التي تخدم العراق.

وبنفس المعنى فأن ما تحرص عليه إيران يتمثل في الابقاء على سياقات العمل في المؤسستين الامنية والعسكرية، والتي شابها الجهل وسوء الادارة وعدم المعرفة بالمعايير المهنية، وفوق هذا وذاك ضمان التبعية لطهران عبر حلفائها ووكلائها الذين يحتلون اعلى المناصب ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري إلايراني ويخضعون لتوجيهاته. 

وتتباهى طهران بنفوذها الواسع داخل الجيش العراقي منذ قيام الحرس الثوري الإيراني بتأسيس ميليشيات "الحشد الشعبي" عام 2014، بحجة محاربة تنظيم داعش، حيث تم دمج هذه القوات ضمن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ما مكن طهران من السيطرة على جزء من القرار العسكري.وكان المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الجنرال يحيى رحيم صفوي، قال في 28 كانون الثاني / يناير 2017، إن "الحشد الشعبي" في العراق تشكل باستلهام نموذج الثورة الإيرانية"، في تأكيد على دور إيران ومدى هيمنتها على هذه الميليشيات التي أصبحت جزءاً من القوات العراقية. 

وبقدر تعلق الامر حول وزيري الدفاع والداخلية في حكومة عبد المهدي، ستوقع طهران ضغطاً باتجاه اختيار شخصيات قريبة منها لاستيزارهم، وستركن لتحقيق ما تقدم إلى استراتيجية النفس الطويل، وسياسات المناورة والتقدم خطوة للتراجع خطوات، وهو ما يعكس أسلوباً إيرانياً معهوداً، يتمثل في المطاولة حتى النفس الاخير واعجاز الخصم، وحمله على التراجع والانسحاب.

وكان الفساد سبباً رئيساً وراء عجز الجيش عن التصدي للتهديدات الإرهابية، وبسببه طالعتنا اشنع هزيمة عسكرية عرفها القرن الحادي والعشرين، إذ عجز 25.000 جندي وشرطي عراقي من التصدي لـ 1.300 عنصر من مقاتلي داعش في مدينة الموصل في حزيران/ يونيو  2014.

ويمكن للمتتبع ان يجد الكثير من القادة العسكريين، الذين جرى تنصيبهم من قبل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لتوطيد سيطرته على المؤسسات السياسية والعسكرية العراقية، انشغل اغلبهم بتجميع ثروات شخصية من خلال الممارسات الفاسدة، بما في ذلك من خلال اختلاس الاموال العامة، وابتزاز من هم تحت قيادتهم للاستحواذ على اجزاء من رواتبهم وارزاقهم، وبيع الأسلحة والمعدات العسكرية في السوق السوداء.

وفي البيئات شديدة الفساد، فإن تدريب الجنود وتجهيزهم لن يؤدي إلى قوات وطنية فعالة قادرة على محاربة المتمردين والحفاظ على القانون والنظام وصيانة الأمن القومي،حيث ينصب التركيز على أنشطة التدريب والتجهيز القصيرة الأجل التي قد تعزز القدرات العسكرية المباشرة، ومع ذلك فإنها لا تعالج أوجه القصور الأوسع في النظام. 

خطاب الطائفية آفة الجيش

يمكننا القول ان الطائفية هي احدى سمات العسكرية العراقية بعد عام 2003، إذ تم الترويج على مبدأ مفاده: الحفاظ على حكومة شيعية قوية يتطلب جيشاً موالياً لها، ليتم الاعتماد على الحافز الطائفي دون أخذ الاعتبار بالمهارات المطلوبة في التدريب والتخطيط والتنفيذ والممارسة القتالية.

يرتبط مع ما تقدم، ضعف القيادات العسكرية ومحدودية ادائها، كونها اعتنقت الطائفية، إذ اعتلى المناصب العسكرية قيادات تكاد تكون معدومة الخبرة، تسلقت بسرعة في سلم الترقيات بسبب ارتباطاتها الحزبية والطائفية، وما رافقها من عمليات التوظيف المشوهة لمقاتلي الميليشيات الشيعية حتى ان بعضهم لا يجيد الكتابة والقراءة، ضماناً لسيطرة الطائفة على مقدرات السلطة والحكم.

وتسبب التمييزوغياب التوازن في جميع مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجيش وقوات الامن، مع تزايد انتهاكات الميليشيات الشيعية لمكون سكاني بعينه، بسيطرة داعش على 40 % من مساحة العراق، فالقمع والتنكيل الذي مارسه رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي دفعت قطاعات واسعة من الشعب العراقي إلى موقع العدو، لنشهد بيئة من عدم الاستقرار السياسي والامني، رداً على قمع النظام.

الممر الايراني

ويعد العراق عنصراً حاسماً في معادلة الهيمنة الإيرانية، إذ يصب هدفها الرئيس فيه على إيجاد قاعدة سياسية وعسكرية وامنية، قادرة على تمكين طهران من توجيه سياسات بغداد الداخلية والخارجية لتعزيز المصالح الإيرانية. وهو امر يرتبط باستكمال ممرها البري الذي يمتد من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط.

وتتجلى اهمية الممر، كونه يعزز الاستمرارية الإقليمية بين طهران وبيروت عبر دمشق وبغداد: ويوفر طريقاً آمناً تحت سيطرتها لنقل العتاد والقوات والمليشيات التابعة لها بين البلدان الأربعة، بعيداً عن الرقابة الدولية التي تزخر بها الموانئ والطرق التقليدية.

ففي يونيو/ حزيران 2017 صرّح الجنرال السوري المتقاعد يحيي سليمان لصحيفة "ازفستيا" الروسية، بأن هذا الطريق يزيل صعوبات نقل المنتجات العسكرية والأسلحة والذخيرة والأدوية من إيران إلى سوريا عبر العراق، وبذلك تتحول طهران إلى لاعب جيوسياسي قوي، سيُظهر تأثيره عبر مئات وربما آلاف الكيلومترات خارج حدوده.

وبالنسبة لمستقبل الممر الإيراني، فأنه جزء لا يتجزأ من معركة العراق حول هويته واستقلاله. حيث يتطلب تعزيز قدرة الوزارات العسكرية والامنية السيادية لجهة تحجيم التدخلات الإيرانية، وهو امر لن يكتب له النجاح الا بتولي شخصيات مهنية ومستقلة على رأس الادارة فيها، ما يجعلها تراقب وتدقق، اذرع طهران في مؤسساتها، وتعمل على الحد من تحركاتها بهذا الخصوص.

وختاماً، هل سيكون بمقدور عبد المهدي اختار وزيري الدفاع والداخلية بحرية تامة، في بلد ممزق يعاني من صراع الارادات الاقليمية والدولية؟ وما لم يتم التصدي لنفوذ لميليشيات "الحشد الشعبي" والحد من سيطرتها على القرار الأمني والسياسي، ودون اللجوء إلى مزيج من الإصلاحات الإدارية الجريئة وتوظيف المساعدات التقنية والمالية على نحو امثل ومحاربة الفساد، فأن الاستقلالية تبقى حلماً يرواد العراقيين.

د. هدى النعيمي

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟