سائرون والفتح": تحالف تحت ضغوط إيرانية"

ana

16-06-2018

لا يجد المتتبع للمشهد العراقي غضاضة، فيما اعلنه مقتدى الصدر في 12 يونيو/ حزيران الجاري عن تشكل تحالف بين "سائرون" و"ائتلاف الفتح" بقيادة هادي العامري، لتشكيل الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان العراقي الجديد. ليكون مخالفاً للترجيحات التي قالت بتشكيل تحالف قد يجمع المالكي والفتح مع أحزاب كردية، في مقابل تحالف سُميَ بالوطني يجمع الصدر وإياد علاوي وتيار الحكمة وبعض الأطراف السنية الأخرى.

وكان "سائرون" الذي يقوده التيار الصدري قد تصدر الكيانات السياسية العراقية في هذه الانتخابات بفوزه بـ54 مقعداً في البرلمان الجديد، بينما حل "ائتلاف الفتح" بزعامة هادي العامري بالمرتبة الثانية بـ47 مقعدا، وجاء ائتلاف "النصر" بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي ثالثا بفوزه بـ42 مقعدا، وحصل تيار "الحكمة" الوطني على 20 مقعدا فقط.

وما كرره الصدر اكثر من مرة حول تطلعه إلى مغادرة خانة الاصطفافات الطائفية والحكومات التي تباركها إيران، عاد لينسفها ويتكتل مع اكثر الجهات طائفية وموالاة لطهران، ليبطل بذلك اتفاق المبادئ الذي سبق وان تم قبل أيام بينه وبين علاوي والحكيم، ومركزاً السلطة بيد حلفاء طهران.

إيران وجمع الاضداد

ويكشف هذا التحالف عن مدى قوة إيران في إدارة التفاعلات الحزبية الشيعية، لتنجح في الجمع بين الصدر الذي ابدى معارضته الظاهرية لها في لحظة معينة، وغريمه الآخر قيس الخزعلي الذي وصف الصدر ميليشياته بالوقحة، ولعلها خطوة في طريق تسليم القيادات الحركية العسكرية التي تماهت مع المصالح الايرانية زمام الحكم في العراق. وتنحية شخصيات حزبية شيعية لتحل محلها قيادات حركية عسكرية غير نظامية، الامر الذي سيفضي فيما بعد إلى تقليد ثابت يتم بموجبه اختيار رئيس الوزراء من قيادات الميليشيات الطائفية.

والتدخلات الإيرانية هذه تضع طهران في مكانة صانع الساسة في العراق، لما لها من نفوذ قوي داخل الحكومة وبين الجهات الفاعلة غير الحكومية. ففي الوقت الذي ساعدت فيه حلفاءها على الانتخاب، فإن إيران تمول الجماعات المسلحة التي تمكنها من الضغط على الجهات السياسية الفاعلة لضمان مصالحها السياسية والامنية.

ومن وجهة نظر إيرانية؛ كلما تصاعدت قوة الميليشيات المسلحة غير النظامية، اصبح من السهولة بمكان السيطرة على العراق وتسيير سياساته، وهو ما يفسر تعدد الاذرع العسكرية الموالية لطهران، والتي يصل تعدادها إلى حوالي 50 ميليشيا شيعية، وتضم الآف المقاتلين في صفوفها، ويشرف عليها "الحرس الثوري الإيراني" ويمدها بمقومات القوة والنفوذ، تشكيلاً وتسليحلاً وتمويلاً.

وتعد الخبرة القتالية، والولاء العقائدي لولاية الفقية، والحرفية في اتباع التوجيهات والاوامر متغيرات حاسمة لجهة تعزيز الارتباط بإيران، إذ من الصعب ان نجد مجموعات مسلحة، تتحرك باتجاه مغاير ومستقل عن تعليمات طهران، التي توفر لها الخدمات اللوجستية وتشرف على البنى التنظيمة لهذه المجموعات، وهو امر ينطبق على "سرايا السلام" التي تصنف ضمن التشكيل الشيعي المسلح.

ويمكننا الاجتهاد بالقول، ان انتشار إن المحسوبية والرشوة والابتزاز داخل القوات العسكرية النظامية والاجهزة الامنية، حدث على مرأى ومسمع من إيران، لجهة اضعاف هذه القوات، مقابل تقوية شوكة الميليشيات الموالية لها شعبياً وحركياً، وتلميع صور قادتها بأعتبارهم صناع النصر وحماة الارض، سبق ذلك تفكيك  الجيش العراقي لتزهر ميليشياتها الشيعية وتتقوى.

وتأسيساً على ما تقدم، فان سياسة طهران في العراق حرصت على تحويله إلى دولة فاشلة لا تقدر على حماية مواطنيها من العنف والدمار، مستخدمة قوتها ومكانتها الدينية لصنع النموذج الذي تريد، معتمدة على سياسة "المعيار الاوحد التي تقوم على ان كل شيء لنا ولا شيء لغيرنا"، وبذلك تكون قد رسخت ادراكاً شعبياً ونفسياً لدى العراقيين، بعجز الطرف الامريكي وفشله عن ايجاد حلول ناجعة لتعقيدات المشهد العراقي، وإيران هي الملاذ في حل العقد المستعصية.

الابوية الشيعية.. مبدأ للتدخل في شؤون الغير

وليست الابوية الشيعية التي ترفع إيران شعارها، الا مدخلاً يؤهلها للحديث بأسم الشيعة ونيابة عنهم اينما يكونوا، وسبباً مضافاً يمنع من الخروج على الاجماع الشيعي الذي يدار بحسب الاجندات الإيرانية. وبالنسبة للتيار الصدري فان علاقاته بإيران على درجة من التعقيد والضبابية، فهو تارة معارض ينتقد تدخلاتها، كما يصور نفسه باعتباره تياراً عربياً عابراً للمحاصصة، لكنه بقي يتلقى التمويل من طهران. ولهذا فان الخروج على بيت الطاعة الإيراني يكلف الصدر كثيراً، وهو امر يدركه جيداً ما حمله على المناورة بين حين وآخرعبر الرفض اللفظي ليس الا.

ونسوق هنا ما يعزز هذه المقاربة، إذ كانت إيران ملاذاً لمقتدى الصدر من 2008 إلى 2011 والتي ذهب اليها للدراسة في حوزة قم الدينية، فراراً من قمع حكومة المالكي لتياره. كما شارك ذراع التيار العسكري "سرايا السلام" في العمليات المشتركة التي ينسقها "الحرس الثوري الإيراني" و"منظمة بدر" في خطوط التماس الطائفية ومن بينها مدينة جرف الصخر وفي الانبار.

بالعودة إلى النفوذ الإيراني، نجد أن قائد "قوة القدس" قاسم سليماني في كثير من الأحيان يلعب دور المحَكم السياسي بين الاحزاب الشيعية العراقية، فهو يرأس انشطة إيران في العراق، ويتلاعب بالاحداث في ظل غياب الآليات القانونية الحاكمة التي تمنع تدخل الاطراف الخارجية، وغالباً ما يمنع الأفراد والفصائل من الترشح في الانتخابات. فضلاً عن الإشراف على الميليشيات الشيعية، وتمويل القادة السياسيين والإشراف على أنشطة "القوة الناعمة" لبلاده، وتعزيز الصلات بالشيعة والسنَة العرب وكسب دعمهم، وتشكيل حكومات مركزية شيعية.

نشير هنا، إلى دور سلماني في ترتيب التحالفات ففي أعقاب الانتخابات البرلمانية لعام 2010 وعلى الرغم من فوز ائتلاف العراقية بقيادة اياد علاوي بأعلى الاصوات، الا ان الاخير منع من أن يصبح رئيساً للوزراء بسبب معارضته للتدخلات الإيرانية، وعلاقاته المتينة بدول عربية، ليصار إلى اختيار نوري المالكي، ليكون حليفاً وضامناً للمصالح الإيرانية.

وكان سقوط الموصل بيد "تنظيم الدولة الاسلامية" مرحلة انتقالية اخرجت رجل الظل سليماني إلى واجهة الاحداث، ليعزز من وجود "الحرس الثوري الإيراني" علانية في العراق، ويتحول إلى بطل، بعد تمكنه من إدارة الحرب مع مقاتلي الميليشيات الشيعية، مرسخاً مقاربة القوة الموازية العقائدية، التي تشكل الظهير المساند للحكومة على غرار ما هو موجود في إيران. وهو ما يعني دوراً متنامياً للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في تحرير الأراضي المناطق الاستراتيجية.

هل تندلع حرب اهلية شيعية؟

ولا يجانب الصواب القول بامكانية اندلاع حرب اهلية في حال استبعاد التحالفات الشيعية من الانخراط في تشكيل الكتلة الاكبر، إذ يدرك الصدر استحالة ان تتخلى إيران عن نفوذها في العراق، الامر الذي تطلب وجود مجتبى نجل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في بغداد؛ لأجل إعادة مقتدى الصدر إلى الصف الشيعي وبثالحياة في التحالف الشيعي لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

وكشف الحرق المتعمد لصناديق الاقتراع، عن هشاشة المشروع الديمقراطي، ليتنافس الفرقاء بالنار والسلاح، فالديمقراطية المحكومة بسطوة الميليشيات تفرض على هواها اتجاهات السياسة والحكم، وتنجح في اصطناع المواجهات، وتعلي من نبرة التهديد والوعيد، وتمتلك في الوقت نفسه خيارات الاكراه والاجبار، لحمل الآخر على الاستجابة لها اذعاناً وخوفاً.  

ومن هذا المنطلق، فان تحالف الصدر والعامري، قد يفسر بأنه تحالف سياسي لإبعاد شبح الحرب والصراع الاهلي ومنع إراقة دماء العراقيين، لكنه سيكون على حساب شعبية الصدر، وبحسب احد قيادي التيار الصدري فانه كان بمثابة مفاجأة لجميع العراقيين وبالأخص أنصار التيار، وقد يؤدي هذا إلى خسارة شعبيته التي اكتسبها بعد سنة 2014 في مواجهته الفساد وإصلاح العملية السياسية في العراق.

الصدر اللاعب السياسي المهم في العراق

ولعل شعارات الصدر التي طرحها لجهة ترسيخ الاعتبار الوطني وبناء دولة المؤسسات، لن تستطيع الصمود امام سياسات الاصطفاف الطائفي التي تصاعدت بعد الاحتلال الامريكي للعراق والتي تغذيها إيران، إذ ينظر إلى التحالف الجديد على أنه انتصار لسياسة إيران في العراق، لتكون طهران قادرة على الحفاظ على نفوذها من خلال "ائتلاف الفتح" المؤيد لها، وجزءاً من الامبراطورية الفارسية بحسب ما ما صرح به وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان في وقت سابق.

والمخاوف الإيرانية من احتمال تعزيز العلاقات العربية - العراقية، تدفع باتجاه المزيد من الانغماس إلايراني في الشأن العراقي، ومنع تشكل اواصر مشتركة بين بغداد وعواصم عربية اخرى، فزيارات الصدر لكل والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، اوجدت قلقاً ورفضاً واسعاً افصح عنه الكثير من الرسميين والاعلاميين الإيرانيين.

وقد كتب موقع "نامه نيوز" المقرب من رئيس السلطة القضائية الإيرانية، المتشدد صادق لاريجاني، تحليلًا بعنوان "هل خان الصدر إيران بعد زيارته للسعودية؟" قال فيه إن "الصدر اللاعب السياسي المهم في العراق، الذي بدأ هذه الأيام يطرح نفسه ثاني أكبر رجل دين شيعي في البلاد بعد المرجع علي السيستاني، ابتعد كثيراً عن الجمهورية الإسلامية وهي خطوة بدأها قبل فترة طويلة". ووصف الموقع الإيراني الصدر، بأنه "شخصية ذات مواقف سياسية متناقضة ومتضاربة، فالعراق والمنطقة يعرفان الرجل بأنه يتميز بهذه الصفة".

وصدقاً، ليس من السهل زعزعة شبكة المصالح السياسية والامنية والحوافز الاقتصادية والاجتماعية التي انشأتها طهران خلال العقود السابقة من الغياب العربي في المشهد العراقي، وان الدعم المالي لن يؤمن نفوذاً سياسياً للرياض في العراق، فالاعتبارات الطائفية ووحدة المذهب تلعب دوراً كبيراً في تشكيل التحالفات السياسية، فالانفراد الإيراني في إدارة التفاعلات السياسية مع العراق يعد واحداً من اهم الاستراتيجيات الإيرانية طويلة الأجل. لذا فان طهران لن تسمح بوجود منافسين لها، وستقاتل بشكل أو بآخر للحفاظ على نفوذها هناك.

يبدو أن الضغوط الإيرانية وسياسات الوضع الراهن قد انتصرت على وعود الانتخابات التي اطلقها الصدر، تاركة الشيوعين الذين تحالفوا معه لتعزيز الإصلاح السياسي ووضع حد لنظام الحصص الإثني الطائفي، امام مراجعة نقدية، لاتجاهات تحالفاتهم المستقبلية، فذرائعية الاسلام السياسي الشيعي ومن خلفه إيران، تحمل على التريث والتأني لجهة التحالف معه، لبراعته في استبعاد الشركاء وتفكيك تحالفات الاعداء.     

وختاماً، تكمن المشكلة في أن الكثير من التفسيرات بصدد فوز الصدر في الانتخابات الأخيرة، جرى اعتباره خطوة في طريق التحول في السياسة العراقية، لجهة نبذ توزيع السلطة الطائفي والمجتمعي، والسير نحو سياسة وطنية أقل خضوعاً للمصالح الإيرانية. ولعل من يتابع المشهد العراقي بدقة سيعرف أن ذلك كان أملاً ووهماً. فإيران تعرف ما تريد، ولن تقبل بتقاسم انجازاتها مع اطراف اخرى، وما تسمح بإعطائه لحلفاء العملية السياسية الآخرين، ما هو الا دور شكلي لا قيمة له.

هدى النعيمي

 

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟