"مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي": رؤية جديدة لتحقيق التكامل الشامل ضمن "استراتيجية العزم"

Majils

13-06-2018

يمثل مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي، الذي عقد اجتماعه الأول في العاصمة السعودية الرياض، في السادس من شهر يونيو 2018، منعطفاً تاريخياً ورؤية جديدة في مسيرة العلاقات المتينة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وهما الدولتان اللتان تمثلان معاً، القلب النابض في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية في الوقت الراهن، نظراً لما تضطلعان به من مسؤوليات جسام، في الوقت الذي تصاعدت فيه التحديات والتهديدات على مستوى المنطقة والعالم, بل إن الدور الذي تقوم به هاتان الدولتان معاً يمثل درعاً حامياً لمنطقة الخليج العربي من التهديدات السياسية والأمنية على وجه الخصوص، وهذه التهديدات التي اجتاحت العديد من دول منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. ونتيجة للجهود التي تحملتها الدولتان، فإن ذلك فرض عليهما مواجهة هذه التحديات والمتغيرات بإرادة صلدة بما يكفل ضمان ديمومة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، وسط محيط إقليمي تتلاطمه أمواج الاضطرابات والتدخلات الخارجية، ومحيط عالمي تشوبه مخاطر الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ناهيك عن التهديدات الأمنية هنا وهناك.

توقيت استراتيجي

أن الإعلان عن مجلس التنسيق بين البلدين، أتى بحضور صاحب السمو السيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية، ليمثل دفعة استثنائية للعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وبما يمنح هذه العلاقات المزيد من الزخم، ويرسخ حالة التعاون المشترك والتماهي في الرؤية والأهداف والغايات والتطلعات بين البلدين، سواء المتعلقة بتحقيق طموحات شعبيهما، أو بتعزيز دوريهما الحيويين على مستوى المنطقة والعالم، لاسيما أن هذا المجلس سيمثلن بلا أدنى شك، إضافة نوعية لثقل البلدين ودوريهما المتصاعدين على الخارطة العالمية، موضحاً أن توقيت إعلان مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي، يحمل دلالات على قدر كبير من الأهمية،لاسيما أنه يأتي في ظل معطيات عدة، سواءً على المستوى الداخلي بكل من البلدين، أو على المستوى الخارجي لكل منهما. فعلى المستوى الداخلي تعيش الدولتان مرحلة مهمة في تاريخ تطورهما، إذ أن كل منهما تتبنى رؤية تنموية مستقبلية شاملة. وإن كانت دولة الإمارات سباقة في هذا الإطار، إذ أنها تتبنى "رؤية الإمارات 2021"، والتي تم إطلاقها في عام 2010، فيما تتبنى السعودية "رؤية المملكة 2030"، التي تم إطلاقها في عام 2016؛ لكن الرؤيتين تستهدفان احداث تنمية شاملة ومستدامة في كل من البلدين، كما أنهما تسعيان إلى بناء مجتمع حديث ومتطور في كل منهما أيضاً، وبالتالي فإن تدشين المجلس يفتح الباب أمام تبادل الخبرات فيما يتعلق بآليات وسبل تحقيق الرؤية التنموية والمستقبلية بين البلدين.

وبجانب الأهداف والغايات الطموحة التي تتضمنها الرؤى المستقبلية في البلدين، بشأن ترسيخ مكانة كل منهما على المستوى الإقليمي والعالمي، فإن تدشين المجلس في هذا التوقيت يحمل بدوره رسائل عديدة إلى العالم الخارجي، إذ أنه يؤكد على أن حالة التقارب التي بدت عليها العلاقات بين الإمارات والسعودية خلال الفترة الماضية، هي ليست حالة طارئة ناتجة عن الظروف، بل إنها تأتي تطبيقاً لرؤى وطموحات القيادتين الرشيدتين في الجانبين، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في ظل تصاعد التهديدات والتحديات على المستوى الخارجي، ويمكن للدولتان من تعزيز قدرتهما على تجنب تلك التهديدات والتحديات ومواجهتها، والمضي قدما على طريق التطور والنهضة، وطنياً وثنائياً.

مهام حيوية ورؤى طموحة

كذلك فإن الدور المنوط بمجلس التنسيق السعودي-الإماراتي هو ترسيخ مكانة البلدين في مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني والعسكري، وتحقيق رفاه شعبي البلدين، من جهة، وعموم شعوب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بل والمنطقة بأسرها، ووضع رؤية مشتركة تعمل على تعميق واستدامة العلاقات بين البلدين. ويعني ذلك أن مهام عمل المجلس ليست مقصورة على التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين على المستوى الخارجي، بل إنه يدشن آلية للتنسيق المستدام فيما بينهما. ويؤكد ذلك على أن البلدين من خلال تدشينهما لهذا المجلس لا تترددان في بذل الجهود اللازمة لإحداث المزيد من الانفتاح على بعضهما البعض، في مختلف القضايا وعلى مختلف الأبعاد والمستويات، وذلك تطبيقاً للرؤى الطموحة للقيادة الرشيدة بكل منهما، والتي تطمح إلى توحيد جهود البلدين بما يحقق الطموحات، في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها، وعلى مختلف المستويات الداخلية والخارجية كافة.

مكاسب اقتصادية جمة

شهد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي-الإماراتي اعتماد استراتيجية مشتركة للتكامل بين البلدين اقتصادياً وتنموياً وعسكرياً، عبر 44 مشروعاً أطلق عليها "استراتيجية العزم"، وذلك من أجل تعزيز المنظومة الاقتصادية المتكاملة بين البلدين، وإيجاد الحلول المبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد لدى البلدين، وتمثل هذه الاستراتيجية آلية جديدة تجني من خلالها كل من الإمارات والسعودية مكاسب جمة. لاسيما أن هذا الاستراتيجية تمثل نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين اللذين يشكل حجم اقتصاديهما معاً ما يزيد عن 1.1 تريليون دولار، كما أنهما يحتلان المرتبتين الأولى والثانية على مستوى المنطقة من حيث حجم الاقتصاد، حيث تحتل السعودية المرتبة الأولى، وتحتل الإمارات المرتبة الثانية، ما يعني أن حالة الانفتاح الجديدة التي يدشنها المجلس، سوف تخلق سوقاً كبيراً للاستهلاك والإنتاج معاً، ويضاعف حجم القيمة المضافة والعوائد التي يمكن أن تحققها الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، مؤكداً أن

ما يعزز هذا الأمر أيضاً هو أن التبادل التجاري بين الإمارات والسعودية يدور حول أعلى مستوياته على الإطلاق في الوقت الحالي، حيث بلغت قيمته 21.5 مليار دولار في عام 2017، محققاً زيادة بنسبة 10.3% في عام 2017، مقارنة بمستواه في عام 2016، الذي بلغ 19.5 مليار دولار. وهذه الزيادة الكبيرة تدلل على أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد تطوراً إيجابياً كبيراً في الوقت الراهن، تماشياً مع الرغبة الكبيرة من قبل القيادتين الرشيدتين في البلدين، والتي تسعى إلى تعزيز التعاون وتعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة لإحراز المزيد من التقارب في المواقف، والتي تخدم بدورها أهداف تحقيق المصالح والغايات المنشودة من قبل الشعوب والحكومات والقيادات الرشيدة في البلدين الشقيقين.

على أن حالة النمو المستقر التي يمر بها الاقتصاد الإماراتي وكذلك الاقتصاد السعودي في الوقت الراهن، تمثل أرضية صلبة لكل من البلدين للبناء عليها لتحقيق المزيد من التطور في ظل مجلس التنسيق خلال السنوات المقبلة. فحالة التقارب غير المسبوق التي يحققها المجلس وكذلك الاستراتيجية المعلنة، من شأنها زيادة فرص النمو الاقتصادي لدي البلدين، لاسيما الوضع الجديد يسمح بالمزيد من تدفق السلع والمنتجات بينهما، ويعزز قدرة المستثمرين ورجال الأعمال، وكذلك رؤوس الأموال، على التنقل بين البلدين بحرية تامة.

وفي ظل هذا الوضع الجديد، فإن معدلات النمو في البلدين من المتوقع أن تشهد ارتفاعاً أعلى من المتوقع. فبينما كانت تقديرات صندوق النقد الدولي، الصادرة قبل إنشاء مجلس التنسيق، تشير إلى أن النمو الاقتصادي في الإمارات سوف يرتفع إلى ما يزيد عن 3% خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن النمو الاقتصادي السعودي سيرتفع إلى ما يزيد عن 2.2% خلال نفس الفترة، فإن إنشاء المجلس يرجح أن يؤدي إلى إضافة نحو 0.5% للنمو في كل من البلدين، بحيث يرتفع النمو الإماراتي إلى 3.5% ويرتفع النمو السعودي إلى 2.7%.

الإهتمام بالإنسان إستثمار في المستقبل

ومن هنا، يتمثل اهتمام مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي ببناء منظومة تعليمية فعالة ومتكاملة، قائمة على نقاط القوة بكل من البلدين، من أجل إعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة عالية، أحدى نقاط القوة في المجلس، بل إنه يعد من الأسس التي يبنى عليها نجاح التكامل الإماراتي السعودي، لاسيما أن بناء منظومة التعليم المنشودة وإعداد الأجيال المواطنة الكفؤة، سوف تجعل من الإنسان، وعلى وجه التحديد الإنسان المواطن في كل من البلدين، على وعي تام بأهمية ذلك التكامل، وستمكنه من إمتلاك القدرات والكفاءات والخبرات اللازمة لإنجاحه، هذا بجانب قدرته على دعم مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة في البلدين. كما يعتبر اهتمام القادة في البلدين ببناء الإنسان دليل قاطع على أن هؤلاء القادة يعون تمام قيمة الوعي بمتطلبات النجاح، وعلى بيِّنة كذلك بأن الإنسان هو باني النهضة وهدفها وكذلك هو الحصن والأداة التي تحميها وتصونها عبر الزمن.

وختاماً، فإن اهتمام مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي بتعزيز التعاون بين الإمارات والسعودية، في المجالات كافة، وليس فقط الجانب الاقتصادي، يمثل بدوره دليلاَ قاطعاَ على وعي القيادتين في البلدين بحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم، وأن التنمية الشاملة لا يمكن إدراكها من خلال التطوير الاقتصادي وحسب، بل إنها تستلزم بناء القدرات في المجالات كافة، بل وضمان انعكاس هذه التنمية على مكانة الدولتين على الساحتين الإقليمية والعالمية، بما يعزز مكانة شعبيهما ويحمي مكتسباتهما. كما أن حرص القادة على أن تتسق جهود وأهداف مجلس التنسيق الجديد مع أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل بدوره احتراماً وتقديراً للجهود التي بذلها الآباء من أجل إحداث التقارب بين دول الخليج العربية، وصوناً للمكتسبات التي حققتها جهود التقارب تلك على مدار العقود الماضية، وكذلك رغبة من القادة في استثمار هذه المكاسب والبناء عليها، بما يعزز مكاسب شعبي الإمارات والسعودية، وشعوب دول الخليج العربي ككل.

وحدة الدراسات الاقتصادية

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟