الصدر: ما بين التغيير او البقاء في دائرة الولي الفقيه

coming soon

24-05-2018

انتخب العراقيون في 12 مايو الجاري برلماناً جديداً، حمل معه الكثير من التحولات المفاجئة، إذ تصدر ائتلاف "سائرون" بقيادة رجل الدين مقتدى الصدر والذي خرج عن المظلة الشيعية نتائج الانتخابات البرلمانية، اعقبه تحالف "الفتح" برئاسة هادي العامري، الذي يضم الحشد الشعبي، ثم تحالف "النصر" الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وبقدر تعلق الامر بأئتلاف "سائرون" تعبر هذه النتائج عن براغماتية التيار الصدري، ليشكل صورة لتحول الوعي السياسي في العراق، وتصدع لفكرة العقد الاجتماعي- السياسي القائم على فوضى الاستقطاب الطائفي والزبائني. وبنفس الوقت لا يُغفل هنا تطلع الشيوعيين والعلمانيين إلى الحد من تأثيرات الاسلام السياسي، وتحجيم تدخلاته على الصعد السياسية والحركية والاجتماعية، عبر التحالف مع واحد من اكثر التيارات الاسلامية الشيعية المثيرة للجدل.

على ان الواقع العملي يؤشر بقاء المحاصصة الطائفية في بنية النظام السياسي العراقي، وهو ما سينعكس على نمط تشكيل التحالفات المستقبلية، فأغلبية الكتل والتحالفات السياسية في مجملها تدار من قبل النخبة القديمة المسيطرة على المشهد السياسي العراقي منذ سنوات.

ولهذا، فليس من المتصور أن تكون هذه الانتخابات بداية لتغيير حقيقي، مع وجود نفس القيادات الحزبية التي كانت مسؤولة عن السياسات الاستبعادية، والتي افضت إلى سيطرة "داعش" واحتلاله ثلث مساحة العراق، وما تبعه من التشريد والدمار الهائل الذي لحق بسكانها ومدنها.

وتعد نسبة الإقبال المنخفضة على التصويت بحسب ما اعلنته مفوضية الانتخابات، والتي بلغت نسبة 44.5٪ من اصوات الناخبين العراقيين الذين أدلوا بأصواتهم تعبيراً عن فقدان الثقة بالطبقة السياسية بعد فشلها في شؤون الادارة والحكم، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية، والتحديات اللوجستية، واتساع مساحة الفساد الذي اضحى ظاهرة مجتمعية تشكل خطراً كبيراً على سلام العراق واستقراره.

الصدر لاعب رئيس

يصف مايكل نايتس، وهو زميل أقدم في معهد واشنطن متخصص في شؤون المنطقة العربية، أن "الجانب السلبي الأكبر لمقتدى كلاعب رئيس في التشكيل الحكومي المقبل ... هو أن من الصعب التنبؤ بسلوكياته". "وليس من الواضح دائمًا ما هي اللعبة التي يلعبها: هل يريد أن يكون جزءًا من الحكومة أم أنه يريد معارضة أي حكومة؟"

ويستند الصدر على مقاربة مفادها: نفوذ أجنبي اقل ومعارضة التدخلات الايرانية والامريكية في شؤون البلاد، وصولا لبناء عراق قوي ومستقل. وبحسب نايتس فان طهران وواشنطن فقدتا الكثير من التأثير في مشهد تشكيل الحكومة المقبلة. ونجده تحليلاً ينطوي على مبالغة لما تتمتع به إيران من قوة وهيمنة على القرار السياسي العراقي، فضلاً عن اذرع متنوعة (سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية) ولديها ما يكفي من الحلفاء في البرلمان والحكومة لحماية مصالحها.

وعلى الرغم مما تقدم، يلقى الصدر دعماً شعبوياً يتم تحريكه كلما تطلبت الحاجة لاحداث ضغط او التلويح بقوته التي لا يمكن اغفالها امام معارضيه. ومن جهة أخرى فأن دائرته الشعبية، تعبر عن جمهور مندفع يدعم زعيمه الروحي في كل مواقفه وبشكل مطلق. ويرى مراقبون أن دعوة رجل الدين العراقي علي السيستاني للناخبين بنبذ المرشحين الفاسدين كانت إشارة ضمنية لدعم "سائرون".

إيران رقم المعادلة الصعب

ومن الواضح، ان علاقات الصدر بإيران تزعج صانع قرارها، ولطالما ابدى التيار الصدري تعارضا مع المصالح الإيرانية في اكثر من موقف، بيد انها لم تخرج عن اطار الرفض اللفظي المعلن، وهو ما ترفضه طهران التي تريد سمعا وطاعة من قبل الشيعة اينما كانوا. وفي نهاية الامر سيكون الإيرانيون على درجة عالية من الصرامة في حال استشعروا مخاطر سياسات الصدر بصدد مصالحهم في العراق، ولديهم الكثير من الأدوات التي تمكنهم من النيل منه.

فالصدر، هو احد القادة الشيعة القلائل الذين أبقوا مسافة بينهم وبين إيران، نشير هنا إلى دعوته الحكومة العراقية العام الماضي إلى تفكيك ميليشيات "الحشد الشعبي"، التي تدعمها إيران، ناهيك عن تمسكه بعروبة العراق، لذا عبر انصاره اكثر من مرة عن رفضهم الهيمنة الايرانية في الشأن العراقي الداخلي،وابدوا الاستياء الشعبي حول اداء الطبقة السياسية الفاسدة التي تدعمها طهران.

وبالنسبة للايرانيين فان صعود الصدر في واجهة المشهد السياسي العراقي، من شأنه ان يهدد مكانة إيران التي ترى في نفسها متحدثاً "شرعيا" نيابة عن الشيعة في العراق، ومن ناحية اخرى فانها سابقة يمكن أن تغذي الحركات الشيعية المستقلة في أماكن أخرى.

وصحيح أن الصدر نأى بنفسه عن إيران، لكن الاخيرة لا تزال تؤثر في مواقفه، لذا يصعب التنبؤ بأمكانية تشكيله لحكومة لن يراعي اعضائها مصالح طهران، ومع تواتر الاخبار عن تدخلات امريكية إيرانية مباشرة على خط مفاوضات تشكيل الحكومة، تتزايد الشكوك والتساؤلات حول الهامش الذي يمكن أن يناور فيه الصدر. وهل سيكون بمقدورة ان يتحرر من ضغوطات طهران؟ 

وإذا كان للصدر تأثير قوي في اختيار رئيس الوزراء الجديد، فربما يتعين على الولايات المتحدة العمل معه لتأمين مصالحها في العراق، وهناك مؤشرات تدل على استجابة "سائرون" لمستجدات العملية الانتخابية. وبهذا الصدد قال ضياء الأسدي، المساعد الكبير للصدر، إنه لا توجد محادثات مباشرة مع الأميركيين لكن جرى استخدام وسطاء لفتح قنوات مع أعضاء من "سائرون" وأضاف "سألوا عن موقف التيار الصدري عندما يتولى السلطة. هل سيعيدون إلى الوجود أو يستحضرون جيش المهدي أم يعيدون توظيفه؟ هل سيهاجمون القوات الأميركية في العراق؟". ومؤكدا انه "لا عودة إلى المربع الأول. نحن لا ننوي امتلاك أي قوة عسكرية غير قوات الجيش والشرطة والأمن الرسمية".

في المقابل، ذكرت تقارير في بغداد عن وجود محادثات بين قوائم "دولة القانون" وتحالف "الفتح" و"القائمة الوطنية" لتشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان وضمان الحصول على منصب رئاسة الوزراء، وسط معلومات عن تدخل من السفارة الإيرانية في بغداد لدعم قيام تحالف من هذا النوع وقطع الطريق على تحالف بقيادة الصدر، لا سيما أن مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي أعلن بوضوح في شباط/ فبراير الماضي أن إيران "لن تسمح للشيوعيين والليبراليين" بحكم العراق.

ويبدو موقع الحشد الشعبي داخل النظام الأمني والسياسي في العراق أمراً معقداً، فهو يُمثل أطيافاً من اتجاهات بالغة التعقيد والتنافر؛ منها فصائل مسلحة عقدية مرتبطة بـ"ولاية الفقيه"، وفصائل مستحدثة مرتبطة بـ"مرجعية النجف"، وأخرى عشائرية سُنيّة متوزعة الولاء، فضلاً عن فصائل عرقية ومحلية من جماعات تركمانية وآيزيدية ومسيحية. ويمثل هذا الإطار المتنوع من ولاءات سياسية – عقدية مختلفة، تعبيراً عن ثقافة الدولة الغائبة - الضعيفة، واستمرار لتلك الرؤية الإيرانية القائلة؛ بضرورة وجود كيان موازي يساعد الدولة على الصمود ويبقي السلطة بيد الشيعة.

من جانب آخر تزامن تصدر قائمة "سائرون" في العراق مع التوتر الإقليمي الإيراني - الأميركي الأخير على خلفية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وهو ما ريشح العراق إلى التحول ساحة للمواجهة بين هذين الخصمين. والتساؤل هنا كيف سيكون موقف الصدر وهل بمقدوره احداث توازن بين الطرفين؟ ام انه سيذهب باتجاه مساندة طهران لاعتبارات طائفية واخرى تتعلق بأرثه السابق في مقارعة الاحتلال الامريكي.

دعم عربي خليجي

يسعى الصدر إلى توسيع قاعدة دعمه الإقليمي في مؤشر جديد على الاستقلالية عن إيران، حيث زار العربية السعودية، في تموز/ يوليو 2017 والتقى مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومسؤولين آخرين. وزار دولة الامارات العربية المتحدة في اغسطس 2017 التقى خلالها ولي عهد ابوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كما دعا الصدر الرئيس السوري بشار الأسد إلى "اتخاذ قرار تاريخي بطولي" بالتنحّي عن السلطة، ليجنّب بلاده المزيد من سفك الدماء.

ومن الواضح، ان الصدر رسم لنفسه خطاً مستقلاً بعيداً عن الخط السياسي الإيراني، فهو يحظى بثقة المجتمع السني، ويتمتع  بعلاقات جيدة مع الأطراف الكردية، ويطمح في إعادة التوازن للمشهد العراقي، بعد ان غلب عليه الحضور الإيراني.

ورغم ما يُروج عن تحسن علاقات الصدر العربية، فإن العراق سيظل لسنوات مقبلة في فلك المرشد الإيراني، بالنظر لاتساع مساحة حلفاء طهران ليس سياسيًا فحسب وإنما عسكريا وعبر وكلائها من الميليشيات المسلحة، وما يدركه الصدر جيدا، انه لن يستطيع ان يحكم بدون رضا إيران ونيل موافقتها.

نشير هنا إلى نجاح طهران في فرض اذرعها العسكرية وشرعنة وجودها الحركي، عبر محاربة "داعش" ليصار الى تعزيز وجودهم السياسي عبر تحالف "الفتح" الذي يقوده هادي العامري، ويضم معظم ميليشيات الحشد الشعبي، والذي حصل على المرتبة الثانية من اصوات الناخبين، حاصلاً على 47 مقعداً.

لهذا، فالتعويل على عودة العراق إلى محيطه العربي بعيدًا عن هيمنة أو تدخل إيران لن يتم ما دام نظام المرشد الأعلى يحكم طهران، فتأثير الاطراف العربية وتحديدا الخليجية منها لا يوازي اوراق الضغط القوية التي تمتلكها طهران. ليبقى المشهد السياسي معقداً وحائراً بين إيران وهيمنتها على البلاد، وبين محاولات وطنية تسعى للخروج من عبائتها الطائفية، وسعي دول خليجية لجذب العراق إلى محيطه العربي لا تملك الا النفوذ المالي، الذي لن يكون بمقدوره تغيير قناعات تؤطرها الاعتبارات المذهبية.   

وبالتالي، فان من اهم المتغيرات التي افرزها الحراك السياسي العراقي، يتمثل في تشكيل تحالف غير طائفي، من شأنه المساعدة مستقبلاً في التوجه نحو المزيد من التعددية والتسامح الذين افتقدهما العراق سنوات طويلة، ولعل ما يحتاجه العراق اليوم هو حكومة مركزية تمتلك رؤية عملية، لجهة مكافحة الفساد، وإعادة تأهيل الخدمات ومؤسسات الدولة وبناها التحتية، التي اعتراها الخراب والتراجع، في بلد يوصف بأنه معطل وتحت ادارة حكومات فاشلة تعاقبت عليه منذ عام 2003.

ومع ذلك، تبقى نقاط الاختلاف الرئيسة بين القوى الاقليمية والدولية قائمة، فإيران تريد عراقًا ضعيفًا وهشًا بما يكفي للتأثير عليه. والرياض مهتمة بالحد من دائرة النفوذ إلايراني، بينما تسعى الولايات المتحدة لتعزيز مكانة العراق السياسية وتقوية مؤسساته الامنية.

وختاماً، لا تزال التقاطعات العرقية والطائفية العميقة قائمة في العراق ما يتطلب التصدي لها، والعمل على ترسيخ عملية سياسية شاملة، تعتمد على التغيير نهجاً وسلوكاً، لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار ما يساعد البلاد على التقدم إلى الأمام وعدم العودة إلى العنف.

د. هدى النعيمي

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟