مستقبل الجماعات الارهابية.. تنظيمي "داعش والقاعدة" نموذجا

coming soon

03-05-2018

تسعى هذه الورقة التي قدمت في نادي سيركل دو لا لورين في العاصمة البلجيكية بروكسل إلى الاجابة على عدد من التساؤلات:اولهما ماهي الأسباب التي أدت إلى ظهور "داعش" وما قبله "تنظيم القاعدة"؟ وماهي العلاقة بين المنظمتين؟ وماهي نظرتهم الأيديولوجية للعالم؟ماهي مواقفهم تجاه إيران؟ وما الذي يجب توقعه بعد ذلك وما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها لمنع حدوث حلقة أخرى من الجهاد السلفي؟

وهنا، نضع في اعتبارنا أن كل موجة تأخذ نصف وقت الموجة التي تسبقها لتنظم نفسها وتوظف امكاناتها، بينما تكون الموجة اللاحقة أكثر وحشية وأوسع نطاقا. وكما هو معروف، فان الموجة الأولى لقاعدة الجهاديين الذين ذهبوا للقتال افغانستان جندت شباب من الخليج، بينما امتدت الموجة الثانية بعد غزو العراق، منه و جندت مقاتلين من كامل العالم العربي، وو اليوم فالتجنيد هو عالمي.

لقد أصبحت الجهادية أكثر الاخطر الوشيكة الحدوث، كما أن تكلفة وجهد شن هجوم إرهابي ضئيلة للغاية. ولقد رأينا في مدينة نيس الفرنسية كيف تمكن رجل عاطل عن العمل ومدمن للكحوليات والمخدرات، من إيجار شاحنة قتلت الكثير من الناس دهساً.

ولعلنا اليوم اكثر حاجة من اي وقت مضى، لترسيخ نهج شامل يفكك اسباب الارهاب، ويجد الحلول التي تدفع ببعض الاشخاص إلى التطرف والانضمام إلى جماعات ارهابية، اضف إلى ذلك توفير منصة اممية للتعاون ما بين السلطات الدينية والمجتمع المدني والحكومات المحلية والقوى الدولية.

وسنحاول تتبع المتغيرات التي أدت إلى ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية" و"القاعدة" وكيف تحولت الاخيرة إلى "داعش" اليوم، بقصد وضع الحلول التي ستمكن صانعي السياسة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة للقضاء على جذور الظاهرة الارهابية، ومنع ظهور حلقة أخرى من التطرف العنيف.

الأسباب وراء ظهور تنظيمي "داعش والقاعدة"

في البدء يمكن القول، ان الهزيمة العسكرية لـ"تنظيم الدولة الإسلامية" لا توفر ضمانة بأن هذا التنظيم الارهابي سوف لن ينتقل إلى شكل أكثر فتكا وارهابا في المستقبل.

ويلاحظ المتتبع ان "تنظيم القاعدة" نشأ في تسعينيات من القرن الماضي، وكان في الأساس رد فعل على ظهور القواعد العسكرية في المملكة العربية السعودية. وتشكل من "المجاهدين" من أمراء الحرب ورجال القبائل الذين حاربوا السوفييت في أفغانستان، بعد غزوهم لها في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.

وبعد انسحاب الاتحاد السوفياتي السابق من أفغانستان في العام 1988 ترك وراءه جيشاً من المقاتلين الإسلاميين الأجانب، ومنهم اسامة بن لادنالذي نال احترام "المجاهدين"، ومكنته ثروته الشخصية، من تسخير طاقات المقاتلين تزامناً مع الانسحاب السوفياتي.

واعتبر بن لادن المملكة لا تلتزم بالتعاليم الإسلامية، ففي آب / أغسطس 1995 بعث برسالة إلى الملك فهد بهذا الخصوص، وفي عام 1996 أعلن الحرب على الولايات المتحدة في بيان نشر في صحيفة القدس العربي. وبعد ذهاب بن لادن إلى السودان  تحدد مسار تطور "القاعدة" وعملياتها ضد الولايات المتحدة، ليُطرد منهافي عام 1996 ويعود إلى أفغانستان ويعمل هناك تحت حماية طالبان.

وبين عامي 2002 و2003 جاءت الفرصة مع الغزو الأمريكي للعراق، ليبدأ "تنظيم القاعدة" في جذب المقاتلين الأجانب للبلاد، بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وليصبح هذا التنظيم فيما بعد اساسا حركيا وعقائديا لـ"تنظيم الدولة الاسلامية"، وبالرغم مما تقدم فأن التنظيم الاخير مختلف عن سابقة، بسبب نشأته التي تعكس الاحباط السني، ونتيجة للنزاع الطائفي.

ولعل الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الولايات المتحدة هو اجتثاث البعث الذي حدث في جرة قلم، الامر الذي اسهم بإنشاء تمرد قوامه  400.000 مجتث. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدستور الذي أتى به الاحتلال الامريكي شجع على انتشار الطائفية، لاسهامه في الغاء المواطنة ليقسم الناس إلى سنة وشيعة وعربا وكردا ...والخ.

كما اخطأت الولايات المتحدة عندما تبنت وجهة النظر الشيعية، وعملت على اقصاء السنّة من المشهد السياسي والتنفيذي، انطلاقا من التصور القائل، بأن الشيعة قد تعرضوا للاضطهاد في عهد صدام، وانه حان الوقت ليحكموا. بالإضافة إلى ذلك، كان ينظر للقادة الشيعة على الرغم من صلاتهم مع إيران على أنها أقل تهديداً للمصلحة الأمريكية، من الصداميين ومقاتلي القاعدة.

وتأسيسا على ما تقدم، نظر السنّة إلى الشيعة كمتعاونين مع الاحتلال الامريكي، خاصة وأن السيستاني أصدر فتوى بعدم مقاومة الأمريكيين. تبعها تشكيل حكومة شيعية برئاسة المالكي مثلت اقصى الممارسات الطائفية. إذ انتشرت فرق الموت التي يمثلها "جيش المهدي" و"فيلق بدر" لتمارس القتل الطائفي والتصفيات الجسدية، مستعينة بمعلومات وزارة الداخلية عنهم.

ومن هنا، بدأت الأعمال الانتقامية الطائفية عقب غزو العراق، والتي تصاعدت على نحو كبير بعد تفجير مرقد العسكري في سامراء عام 2006، أحد أقدس مزارات الشيعة، اعقبتها حملة تصفيات جديدة قام بها "جيش المهدي" بقيادة مقتدى الصدر.

وهو ما حمل الجنرال بترايوس لدرايته بالمشاكل الطائفية، وتحديدا في عام 2007 على المطالبة بقوات إضافية لتثبيت الأمن، إذ وضع الجنرال قبضته على تصرفات المالكي وضبط اتصالاته، كما رسم خطة لتشكيل مجالس الصحوة، ومحاربة التمرد السني، الذي بدأ انعكاسا لقرار بريمر بإجتثاث البعث، غذته السياسات الطائفية للمالكي.

وحاولت الخطة جذب السنّة للمشاركة في العملية السياسية ومكافحة "تنظيم القاعدة". لذلك، تم إغراء المتمردين الذين كانوا يساعدون التنظيم للانضمام إلى الأمريكيين قي قتالهم ضد "القاعدة". بالرغم من وقوف المالكي ضد مجالس الصحوة، والتي رأى فيها وسيلة لتمكين السنّة، من تعزيز قدرتهم السياسية، اضف إلى ذلك ما بدأه بترايوس بتشجيع المصالحة الوطنية والعمل على انخراط القادة السنّة فيها.

ومع ذلك ، لم يتم الوفاء بتلك الخطط الناجحة بسبب الانسحاب الأمريكي المبكر من العراق. الامر الذي اتاح للمالكي القيام بجولة ثانية من اجتثاث البعث. وطبقاً لتقرير بترايوس، فإن المالكي "ألغى" كل الإنجازات السابقة، وتم طرد الضباط السنّة، وجرى احتجاز الالاف من ابناء الطائفة السنّية دون محاكمات. كما تراجع المالكي عن تقديم الدفعات المالية لمقاتلي الصحوة، ومنعت بالقوة طلبات مجلس المحافظة في ديالى وصلاح الدين لإجراء تصويت حول الفيدرالية وفقا للدستور، كما اسهم المالكي بتخريب النظام القضائي وتقويض استقلالليته، وتجيره لإرادته.  

ولهذا، انضم أعضاء البعث السابقون إلى "القاعدة" ثم شكلوا تنظيم "داعش" فيما بعد، والذي جمع ما بين قاعدة الزرقاوي، ورجال من المخابرات، مع اعضاء من الحرس الجمهوري، وعدد من فدائي صدام، مع حزب البعث الذي يقوده عزت الدوري (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة) وفصيل بعثي آخر بقيادة محمد يونس الأحمد (مدير دائرة التوجيه السياسي في الجيش العراقي).

وليست الحرب في سوريا، الا متغيراً رئيسا اسهم في تقوية مكانة "حزب الله" اللبناني والميليشيات المدعومة من إيران، الامر الذي افضى إلى تعزيز قبضة "داعش" في سوريا، واستغلال غضب السنّة الساخطين الذين يقتلهم "حزب الله".

العلاقة بين الاثنين

أبو مصعب الزرقاوي، مواطن أردني، أنشأ جماعة جهادية في العراق تحت اسم "الجهاد والتوحيد". وأراد أن تصبح هذه الجماعة الجهادية الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، وقد أعطاه بن لادن الموافقة. حيث تم تشكيل التحالف في عام 2004.

في أعقاب مقتل الزرقاوي في يونيو 2006 ، تولى اثنان من مساعديه قياة التنظيم، وهما أبو عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر، وقد قُتلا في 13 أكتوبر / تشرين الأول 2010 في ضربة جوية أميركية.

وكان بن لادن قد اعرب عن رفضه للزرقاوي، واعتبره عنيفًا ووحشيًا للغاية. ففي عام 2007 ، نشر الاول شريط فيديو اعترف فيه بأن القاعدة ارتكبت أخطاء. كما كان "تنظيم الدولة الإسلامية" أكثر جاذبية لأنه كان يوجه الناس على التهديد المباشر، بينما كانت القصة الأولية للقاعدة أكثر تشدداً على المفاهيم العامة مثل الإمبريالية وتقدم استجابة لتهديد جماعي، وفلسطين، وجود "الكفار" في أرض النبي.

وقدمت رواية "داعش" الجديدة ردا مباشرا على مظالم الشعوب. وفي الواقع ، أدى موت بن لادن في مايو / أيار 2011 إلى ترك الظواهري في موقع المسؤولية. ولم تكن لديه جاذبية ابن لادن. كان الفرق بين "تنظيم الدولة الإسلامية" و"تنظيم القاعدة" إيديولوجياً واستراتيجياً وتكتيكياً.

ولم تكن العلاقة بين الاثنين لم تكن سلسة، وفي كثير من الحالات حدثت مواجهات بين الطرفين. فقد تقاتل تنظيم "داعش" ضد "هيئة تحريرالشام" وأبرز مكوناتها "جبهة النصرة" وفي عام 2016، أعلنت النصرة فك ارتباطها بتنظيم القاعدة وتبديل اسمها إلى "جبهة فتح الشام".

ومن الناحية الأيديولوجية فأن لكلا التنظيمين وجهة نظر مختلفة عن الجهاد، وكان بن لادن ضد البدء في بناء دولة الخلافة لأنه سيجعلها أكثر وضوحا وأكثر عرضة للهجمات. ومن وجهة نظره، الدولة هي الهدف النهائي ، وليس الهدف المباشر. وقال: "إن البدء بالدولة يشبه وضع الحصان أمام العربة". وثمة اختلاف آخر حول تحديد الأولويات، إذ يركز "داعش" على العدو القريب من الشيعة الذين تدعمهم إيران، بينما يعتقد بن لادن أن الأولوية يجب أن تركز على العدو البعيد الذي هو الولايات المتحدة.

العلاقة مع إيران

لتنظيم القاعدة نظرة عالمية إسلامية، الامر الذي يسمح بالتعاون مع إيران ضد العدو المشترك: الولايات المتحدة. ولهذا استضافت طهران أعضاء من التنظيم في أعقاب غزو عام 2001 لأفغانستان. وأسفرت الغارة في باكستان على مجمع أسامة بن لادن في مايو / أيار 2011 إلى الحصول على وثائق توضح تفاصيل دعم إيران للقاعدة في 11 أيلول / سبتمبر.

وكانت إيران نفسها قبل غزو العراق، تدعو لترسيخ طابع إسلامي شامل، يستند على "القومية الإسلامية" في ضوء مبدأ تصدير الثورة. ومن جهة ثانية لم يتم اغفال هذا المبدأ في تعامل إيران مع العالم الإسلامي السني، ومن هنا جرى التركيز على القضية الفلسطينية وعلى القدس.

وقد أُطلق على الفيلق الأبرز للحرس الثوري الإيراني اسم "فيلق القدس"، ليكون بمثابة المدخل الإسلامي الذي يسمح لها بالانخراط في العالم العربي.

وتوافقت وجهة نظر بن لادن مع رؤية النظام الإيراني حول العائلة المالكة السعودية: بوصفها عميلة للولايات المتحدة، وبعيدة عن تطبيق مفاهيم الإسلام الحقيقية. وقد كشف تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر أن المسؤولين الإيرانيين التقوا مع قادة القاعدة في السودان في عامي 1991 و1992. وفي عام 1998 دعمت إيران "تنظيم القاعدة" في تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، واللتين أسفرتا عن مقتل 224 شخصًا.

وكشفت رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة عام 2002 ، ان فلسطين هي السبب الرئيس لعداء "تنظيم القاعدة" لواشنطن. بالإضافة إلى ذلك، فان العدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان، الذي تتواجد فيه اغلبية شيعية. وهو ما يعكس رؤية شاملة للإسلام، تتوافق في اتجاهاتها مع الرؤية الايرانية والتزاماتها الاخلاقية والدينية.

وما يذكر هنا، أن إزالة الحكومات التي تتحالف مع الولايات المتحدة أمر ضروري لتحرير الأمة. ويتزامن هذا مع مبدأ "تصدير الثورة" الذي نجح في تحرير إيران من الطاغية المدعوم من الولايات المتحدة. وبالرغم مما تقدم، فأن جهة نظر الزرقاوي عن إيران مختلفة، وعند غزو العراق، تزايد اضطهاد السنّة مع تولي حكومة طائفية زمام الحكم لتحل محل نظام البعث. ومن هنا يذكر الزرقاوي اربع اعداء في رسالة بعث بها إلى بن لادن: الأمريكيون، والمتعاونون معهم، الأكراد والشيعة.

وهو يشدد على الشيعة أكثر من أي وقت مضى. كما قال من قبل ، في العراق ، كان هناك شعور قوي ضد الشيعة لأنهم ينظر إليهم كمتعاونين مع أمريكا وإيران ضد البلاد. كما تغيرت قصة إيران، وتم استبدال الرواية الإسلامية في زمن الخميني بسرد شيعي مع الأزمة السورية. وحتى وكلاءهم مثل "حزب الله" الذين تبنوا السرد القومي في عام 2006 خلال المواجهة مع اسرائيل، لديهم الآن مقاربة طائفية.

ما هي السيناريوهات المحتملة؟

والتساؤل الجدير بالطرح هنا، هل يعني عدم قيام "تنظيم القاعدة" بتنفيذ هجمات في الوقت الحاضر، أنه لن يشن هجومًا في المستقبل؟ وهل فقدان "تنظيم الدولة الإسلامية" الأراضي التي كان يسيطر عليها تعني خسارته، الجواب على كلا السؤالين هو لا.

وعلينا أن نفهم أن حقيقة فقدان  تنظيم"داعش" لما بحوزته من اراض لا يعني أنه خسر على العكس من ذلك، فعندما يتقلص حجم ما يتحكمون به في الأرض يعني أن لديهم قدرات أكبر لتكريس وانجاح عملياتهم على مستوى الإرهاب العالمي. فالامتداد الجغرافي يتطلب تقديم الكثير من الخدمات اللوجستية والتنفيذية. وفي كل مرة يخسرون فيها محليًا، يصبحون اكثر عالمية للحفاظ على هيبتهم، إذ جاءت هجمات باريس عام 2015 بعد أن خسروا في جبل سنجار في العراق.

ومع أن "تنظيم القاعدة" لا يهاجم الولايات المتحدة، الامر الذي لا يعني أنه لن يفعل ذلك. وكانت وزارة الخارجية  الامريكية خلال 2015-2016 قدرت عدد اعضاء القاعدة ما بين 1000-4000.

وفي عام 2016 أعلنت "جبهة النصرة" انفصالها عنه لكن هل هذا صحيح؟ وهل يفقد "تنظيم القاعدة" قاعدته أم أنه تكتيك لأدنى مستوى من أجل إعادة تنظيمه؟ ما هي الخطوات التي يجب اتخاذها على المدى القصير والخطوات التي يجب اتخاذها على المدى الطويل من أجل هزيمة السلفية الجهادية؟

الخطوة الأولى هي حل سياسي شامل. ومن غير المحتمل أن يحدث هذا مع وجود الأسد في السلطة، فهو غير مستعدلتقاسم السلطة مع احزاب وقوى المعارضة،والاخيرة لن تقبله، والمصالحة الوطنية مستحيلة في حال بقائه في السلطة، وليس بمقدور اللاجئين العودة إلى مجتمعاتهم.

من المرجح أن يكون الجمود سمة الموقف في سوريا، فلا أحد يتخذ موقفا حاسما. وفي العراق، تظهر المؤشرات أن الحكومة المقبلة هي حكومة حشد. ويبدو ان الولايات المتحدة لا تتخذ أي إجراء بهذا الصدد، اما الروس فقد تحملوا تكاليف كبيرة. إنهم يواجهون معضلة، والأسد هو الضامن الوحيد لقواعدهم وعقود النفط والغاز التي أخذوها.

و لكنهم يعرفون انه ليس من حل سياسي او استقرار بوجوده .ومن جهة أخرى فان غياب الاستقرار السياسي سيجعلهم يواجهون نفس السيناريو الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق، نشير هنا إلى عدم تحقيق محادثات سوتشي أي اتفاق يذكر بين الأطراف المختلفة. ما نراه في الوقت الراهن هو مجرد جهد لتهدئة العنف ليس الا.

وفي سياق هذا الجمود، من المرجح أن يتصاعد الاستياء الشعبي، جراء الدمار الذي حل في المناطق السنية في كل من سوريا والعراق، بينما لم تشهد المناطق العلوية في اللاذقية وطرطوس أي دمار. على العكس من ذلك، ازدهرت إذ تم نقل جزء كبير من مصانع حلب اليها.

ولا يمكن القضاء على "داعش" بواسطة القتل والاعتقال، إذ لا يعد "تنظيم الدولة الاسلامية" منظمة، بل هو حركة وبالتالي لديه القدرة على التكيف. ولتحجيم قدرته الحركية ، فان الامر يتطلب اقتلاع الأسباب التي ادت إلى ظهوره، والعمل على المدى الطويل على اقتلاع الأيديولوجية التي يؤمن بها. وقد تعهدت المملكة العربية السعودية بإعادة البلاد إلى الإسلام المعتدل الذي كان سائدا قبل عام 1979، وهي عملية طويلة الأجل. وقد جاء الشكل الأصولي للإسلام بعد عام 1979 كرد فعل للثورة الإيرانية، عندما تحدى الخميني بإزدراء السعودية، وقال إن مكة والمدينة يجب أن ينتميان إلى كل المسلمين ليس فقط إلى المملكة العربية السعودية.

وختاما، لابد مناتخاذ التدبير الاتية:

 العراق بحاجة إلى صحوة جديدة، تؤمن تعزيز الاستقرار في البلاد. والعمل على تهميش إيران والتعامل مع السنّة. واستمرار التواصل مع المراجع المعتدلة مثل السيستاني. بالاضافة الى ذلك تتخذ السعودية مبادرة جيدة من خلال التواصل مع الشيعة، الذين نجحوا في خلق إسفين بين إيران والصدر.

وفي هذا الصدد ، ينبغي استخدام النداء العربي والتضامن الوطني لطمس النداء الطائفي. وبذل المزيد من الجهد للتعامل مع الشيعة، وخلق مصالحة وطنية. فالاندماج السياسي الحكومي الشامل، لن يُلجأ الناس إلى العنف عندما يطلبون بحقهم في الاسهام بالعملية السياسية.

في سوريا، يتطلب الوضع الانخراط مع المجالس المحلية، وهي أساس المجتمع المدني، مع ضرورة تهميش الميليشيات كي لا يتكرر سيناريو لبنان. وفي لبنان، على الرغم من رأس المال البشري الذي تمتلكه البلاد وعلى الرغم من المساعدات التي حصلت، إلا أن طفرة ما بعد الحرب لم تسفر عن نمو بسبب الفساد، إذ شكل زعماء الحرب رجال الميليشيات شكلوا الحكومة، وليس بمقدورهم أن يصبحوا رجال دولة. يجب ألا يتكرر السيناريو ذاته في سوريا، وإلا فسوف يكون لدينا المزيد من الفساد ومن ثم الطائفية والتطرف.

على المدى القصير، يكون الحل من خلال الانخراط مع المجتمعات المحلية وتشكيل حكومة شاملة على المدى الطويل لبناء قواعد لدولة مدنية. يكملها تغيير القوانين لتغيير السلوكيات السائدة.

ولعل المثال الناجح هو تونس، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها. فمجتمعهم المدني أبقى البلاد متماسكة، وكان درعا ضد التطرف. فتجربة بورقيبة في تونس هي مثال يحتذى به. ولهذا السبب عندما انهارت الديكتاتوريات كانت الثورة قد اختطفت من قبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ودخلت ليبيا في حالة من الفوضى. بيد ان تونس تمكنت من مقاومة دكتاتورية الإسلام السياسي بسبب مجتمعها المدني. وباختصار، فان الحل قصير المدى هو تشكيل حكومة شاملة، وعلى المدى الطويل لابد من ترسيخ دولة مدنية.

دانية الخطيب قليلات

المدير التنفيذي لمركز الاستشاري الاستراتيجي للدراسات الاقتصادية والمستقبلية

الورقة قدمت باللغة الانكليزية وتمت ترجمتها في وحدة الترجمة 


الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟