الضربة الامريكية على سوريا في حرب المصالح والنفوذ

?????? ????????? ??? ????? ?? ??? ??????? ???????

22-04-2018

بعد ساعات من الضربة الجوية المشتركة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا الأسبوع الماضي على سوريا، قال الرئيس ترامب أن "المهمة أنجزت". في اشارة منه بأنها رد على هجمات بشار الأسد الكيميائية الأخيرة على المدنيين، وهي في نفس الوقت دلالة على عدم حدوث تغيير في مسار الحرب الأهلية السورية، ولذلك فانها لن تكون مقدمة لاسقاط النظام الحاكم، الذي تسبب بكارثة إنسانية جراء الوحشية التي مارسها ضد معارضيه من المسلحين والمدنيين على حد سواء.

لذا، فالمنطق وراء هذا الهجوم هو إظهار التزام الولايات المتحدة بإيقاع الضربات الانتقامية في أي وقت يجري فيه استخدام الأسلحة الكيميائية. ومن المؤكد أن هذه الضربات المحدودة لن تدمر كامل المخزون الكيميائي السوري من جهة، ولن تؤدي إلى تقليص قدرات النظام العسكرية من جهة ثانية.

وكانت الولايات المتحدة عبر مندوبتها لدى مجلس الأمن الدولي "نيكي هالي" قد اتهمت نظام بشار الأسد باستخدام الغاز السام ضد المدنيين 50 مرة في الاقل، بينما تشير التقديرات العامة إلى أنّه أستخدمها أكثر من 200 مرة. ففي كانون الأول / ديسمبر 2012، سجلت أول عملية للنظام باستخدام الأسلحة ذات المقذوفات الكيميائية، بقصف مناطق سكنية في مدينة حمص، لتتوالى انتهاكات النظام منذ ذلك الوقت، حيث تم تسجيل عشرات العمليات العسكرية، التي استخدمت فيها مواد محظورة دولياً.

ولاشك فان ابطاء المجتمع الدولي في اتخاذ مواقف صارمة حيال نظام الاسد، قد افضى الى عدم اكتراثه بنتائج هجماته الكيميائية على المدنيين، فاللامبالاة الدولية والتراخي الاممي في وضع حد لتجاوزات النظام دفعته إلى ارتكاب المزيد من عمليات الابادة والتقتيل.

وتعد هذه الضربة خطوة لتأكيد مصداقية الرئيس ترامب، وان كانت لا تحدث تغييراً في موازين القوى، بالنظر لمحدوديتها. فضرب قواعد جوية، ليس كافياً للحد من القدرة العسكرية للنظام وحلفائه على الأرض الذين تمكنوا من استرداد الكثير من المواقع التي كانت بيد الجماعات المسلحة.

وبنفس الاتجاه، تعبر الضربة العسكرية عن إردة سياسية امريكية على وجه الخصوص - لممارسة ضغط شديد على الروس، لجهة حمل حلفائهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والشروع بتسوية الصراع بعدما تبين صعوبة تحقيق  نصر عسكري.

وسمحت المقاربة التي اعتمدها الغرب فيما مضى حيال الصراع في سوريا، والمتمثلة بعدم اتخاذ اي رد فعل لما يحدث، بتمهيد الطريق لحصول احداث أكثر دموية فيما بعد، لتعقبها استراتيجية "الهجمات المحدودة" التي يبدو أن الرئيس ترامب قد استقر عليها، والتي تعني السماح للنظام باستخدام انواع اخرى من الاسلحة في قصف المدنيين، على ان لا يكون هجوماً كيميائياً.

والحقيقة، فان الخطوط الحمراء التي وضعتها وزارة الدفاع الروسية في شهر آذار/ مارس الماضي، في حال تعرض حياة جنودها المتمركزين في سوريا للخطر، لم تكن الا تهديدات لفظية، فالقرار الروسي بعدم الردّ على الضربات كان مدفوعاً برغبة في الحدّ من التصعيد مادام الجانب الامريكي قد ذهب باتجاه ضربة ضيقة الحدود. ومن هنا تؤشر ضوابط العلاقة الامريكية الروسية، ان الخلاف بينها لا يمكن أن يتطور لحرب، بدليل أن وزارة الدفاع الأمريكية كانت قد أحاطت الجانب الروسي بالهجمة العسكرية التي وجهتها ضد أهداف سورية قبل حدوثها.

وبحسب غومر إيزاييف، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصرة، في سانت بطرسبرغ في روسيا، فأن: "الأسد يحل مشاكله بالأسلحة" على مدار السنوات السبع من عمر الحرب السورية، وهو تحليل يتسم بمصداقية عالية، مكنت الأسد من تجاوز المرحلة الصعبة التي هددته، محققاً عدة مكاسب لنظامه. اضف إلى ذلك فان تدخل الروس تسبب بمزيد من التقتيل والدمار، لتتغير معادلات القتال بسيطرة النظام على اغلب المواقع الاستراتيجية.

وللحرب في سوريا، امتدادات إقليمية ودولية، وبالنسبة إلى موسكو، فانها مهتمة بإقامة نظام عالمي جديد وتغيير ما اعتبرته سياسات أميركية احادية ومؤذية. أما واشنطن، فقد كان من المهم بالنسبة إليها، ان تؤكد تفوقها، بما في ذلك استخدام القوة، في سياق إعاقة محاولات روسيا لتطبيق أجندتها الخاصة.

ولإيران تطالعاتها الاقليمية، فسوريا محطتها اللوجستية والاستراتيجية في طريق منفذها الى المتوسط، حيث ساهم التدخل العسكري الإيراني في صمود نظام الأسد، وأدّت الزيادة الكبيرة في القوات الإيرانية على الساحة السورية إلى تصاعد كبير في الحضور الاقليمي الإيراني وتعظيم قدراته، وما يدلل على ذلك التصريحات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين، منها ما أدلى به النائب في البرلمان الإيراني عن طهران "علي رضا زاكاني" في أيلول/ سبتمبر 2014: "لو تأخرنا في اتخاذ القرارات الحاسمة تجاه الأزمة السورية، ولم نتدخل عسكريا لسقط النظام السوري منذ بداية انطلاق الثورة".

ولعل هذا التغلغل الايراني في المشهد السوري، مكن طهران من السيطرة على القرار السياسي والعسكري في دمشق، وبما يسمح لها من ناحية اخرى بفرض إرادتها على دول الإقليم، لتكون حاضرة في اية تسويات مستقبلية حول سوريا، وآخذة بنظر الاعتبار تبادل الأدوار بينها وبين الروس من خلال الملفات المشتركة بينهما في "بحر قزوين، والقوقاز، وأذربيجان وأرمينيا، إضافة إلى الملف النووي".

اما الاتراك، فقد وجدوا انفسهم بموقف التابع، واضحى عصّي عليهم فرض أجنداتهم في مقابل أجندة الدول الأخرى المؤثرة في الجبهة السورية، لذا جاء التوغل التركي في عفرين تلافياً لمحدودية ادورهم في المشهد السوري وبمباركة روسية، مقابل تنازلات تقدمها انقرة بشأن دعم محادثات أستانا، والموافقة على تقدم النظام السوري في إدلب. كما يعوّل  الروس أيضاً على أن تجبر المواجهة التركية الكردية المطولة الأكراد السوريين على قبول تسوية سياسية مع نظام الأسد.

ولعل التباعد الذي اخذ بالاتساع بين واشنطن وأنقرة في الملف السوري، رغم تعاونهم الاستخباراتي، نجم في احد اوجهه عن دعم الولايات المتحدة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" فضلاً عن عديد القواعد التي أنشأتها الولايات المتحدة في شمال سوريا والتي تقدم دعماً للأكراد، وهو ما يحرج أنقرة، بل ويعقّد وضعها على حدودها الجنوبية. ليتم في المقابل رفع مستوى التعاون والتنسيق الروسي التركي، رغم امتلاك كل طرف استراتيجيات مختلفة عن الآخر.

وتأسيساً على ما تقدم، تتعاون روسيا مع قوتين إقليميتين على طرفي نقيض من الحرب السورية هما: تركيا وإيران. وفي المحصلة فان موسكو لا تريد لأي منهما أن يخرج من الحرب في موقف قوي جداً. وفي الوقت الراهن، تتمتع إيران بأقوى موقف في الشرق الأوسط، وهي قادرة توجيه السياسات في العراق وسوريا ولبنان. ومع ان كلا من روسيا وإيران تدعمان الأسد، فان موسكو لا تريد أن تكون طهران قادرة على تحدي المصالح الروسية سواء في الشرق الأوسط أو في القوقاز.

وما بين الاتراك والايرانيين، توافق مشترك حول عملية "غصن الزيتون" ، والتي تهدف في حقيقتها منع الجماعة الكردية من الحصول على دولة مستقلة بحكم الواقع، وهو امر من شأنه ان يكون متغيراً محفزاً للأكراد في كلا من إيران وتركيا لتأسيس دولتهم المستقلة.

ولوشنطن مقاربة حركية تهدف إلى الحد من النفوذ الإيراني وقطع طريق إمداد "حزب الله" باتجاه بيروت، والذي يؤمن لطهران إطلالةجيوسياسية على البحر المتوسط، اضف إلى ذلك الحد من تأثير إيران على إسرائيل عبر وجودها المباشر على الاراضي السورية، او من خلال حليفها ممثلاً بـ"حزب الله".

ويحتل المتغير الديمغرافي حضوراً في اجندة طهران السورية، ويندرج ضمن خطتها التوسعية، ويشكل ركيزة لمشروع إيران الجيوسياسي في المنطقة، إذ جرى ترحيل السكان من مناطق متعددة وتوطين عوائل المليشيات الشيعية العراقية والأفغانية التي تقاتل مع النظام في المساكن المصادرة أو التي هجرها أهلها قسراً أو خوفاً، على مبدأ أطلقه بشار الأسد "سورية لمن يدافع عنها وليس لمن يحمل جواز سفرها"، نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر مدينة القصير، التي تعد أول مدينة تتعرض للتغيير الديموغرافي بعد نزوح سكانها، وقد تحولت إلى خط إمداد عسكري لقوات "حزب الله"، تستخدم الآن بشكل مكثف، محطةً لنقل مقاتليه للداخل السوري. ثم مدينة "النبك" بريف دمشق ومدينة يبرود وحمص القديمة.

وبنفس المعنى فان مقايضة السكان باتت عنصراً بارزاً في أي خطة لوقف إطلاق النار بين النظام وفصائل المعارضة السورية، وهي على ما يبدو محاولة لإعادة ترتيب البلاد بين مناطق لمعارضي الأسد ومناطق نفوذ لمؤيدين له تقودها إيران، ومن ثم يسهل التحكم والسيطرة عليها لتعزيز مصالح طهران، كما أنه أمر سيمنح الاخيرة مستقبلاً ورقة هامة في أي مفاوضات تتعلق بسوريا.

والملاحظ هنا، ان السياسة الاسرائيلية قد شهدت تغييراً في مقاربتها حيال الوجود الايراني في سوريا، فبعد ان كانت لا تُبد اعتراضاً كبيراً بصدده، او حيال الميليشيات الشيعية،واكتفت بالدعوة إلى إبعاده عن الشريط الحدودي المحاذي للجولان السوري المحتل. فانها تعلن اليوم تمسكها بسياسة وإنهائه كلياً إن أمكن ذلك.

ولعل تعّقد الصراع وتداخل اذرعه في المشهد السوري، سمح للروس بالمزيد من التلاعب بمعادلات الصراع وما يتعلق بها من خفض التصعيد او زيادة حدة، بحسب ما تمليه مصالح موسكو وحلفائها، يكملها النأي الامريكي تحديداً والغربي بوجه عام عن منع الاسد من استخدام الاسلحة التقليدية التي تحصد يومياً ارواح المئات من السكان المدنيين.

وقد تفضي القمة المرتقبة بين بوتين وترامب، إلى حدوث "مقايضة سياسية"، إذ تترك الولايات المتحدة حل الصراع السوري وإدارته بيد روسيا، في مقابل تبني موسكو لوجهة النظر المشتركة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن تحجيم البرنامج النووي الإيراني، وهذا سيحمل الولايات المتحدة على تخفيف عقوبات اقتصادية وقعتها على روسيا على خلفية الاحداث في جنوب شرق أوكرانيا.

وختاماً، يشهد الصراع في سوريا مزيداً من التعقيد خلال الايام المقبلة، وان الشروع بعملية التسوية السياسية تتطلب نهجاً جديداً في مسار الحل الاممي، لن يستند على جنيف او استانا، بعد ان تأكد عدم وجود حل عسكري للمسألة السورية وتحول الصراع إلى نطاق إقليمي دولي. 

د.هدى النعيمي

الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟