ترامب والغرب بين الصواريخ الإيرانية والاتفاق النووي

Trump and the West  between Iranian Missiles and The Nuclear Deal

23-01-2018

لم يخف ترامب معارضته للصفقة النووية خلال حملته الانتخابية، وهو ما حمله في مارس / آذار 2017 على القول في كلمة أمام الاجتماع السنوي لايباك في واشنطن أن "من اولوياته تفكيك الصفقة الكارثية مع إيران". وبعد توليه الرئاسة، اعلن أنه سيعمل مع الكونغرس على تصحيح ما اعتبره "نواقص خطيرة" تخللت الاتفاق، مؤكداً إنه إذا فشلت واشنطن في تحسين شروط الصفقة، فإنها ستنسحب من الاتفاق، ومشددًا على أن هدفه هو التأكد من عدم تمكن النظام الإيراني من امتلاك سلاح نووي.

ولهذا، رفض الرئيس الأمريكي إعادة التصديق على الاتفاق في 13 أكتوبر/ تشرين الاول الماضي، وهو شرط يواجهه كل 90 يومًا بموجب قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، مشيرًا إلى ضعف التنفيذ والثغرات. وبذلك حمّل الكونغرس مسؤولية البت بالامر خلال 60 يوماً. 

على ان التفاوض على الصفقة التي تعرف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" كان وقد تم في عام 2015 من قبل إدارة أوباما، إلى جانب خمس دول أخرى، حيث رفعت العقوبات الامريكية والاوروبية عن إيران مقابل قيود صارمة على البرنامج النووي لطهران. 

وتضمن الاتفاق النووي بين مجموعة دول 5+1 والذي تم توقيعه في 14 يوليو/ تموز 2015، على تقييد البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل، مع وضع حد لتخصيب اليورانيوم بحيث لا يتجاوز عتبة 3.76%.

وتقليل مخزون إيران من اليوارنيوم منخفض التخصيب إلى 300 كليو غرام خلال السنوات الخمسة عشر المقبلة. كما تشمل البنود، تحويل مفاعل فوردو، المنشأة الرئيسة لتخصيب اليورانيوم، إلى مركز لأبحاث الفيزياء والتكنولوجيا النووية. وأيضا خفض عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين لمدة عشر سنوات لتصل إلى نحو 5 آلاف.

وللتحقق من ذلك، اشترط الاتفاق سماح طهران بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكل المواقع الإيرانية المشتبه بها. وأيضا توقف إيران عن بناء مفاعلات تعمل بالماء الثقيل، وعدم نقل المعدات من منشأة نووية إلى أخرى لمدة 15 عاما. 

ما بين الداعمين للصفقة والرافضين للاتفاق

يقول انصار الاتفاق، ان العمل العسكري سيكون البديل الواقعي الوحيد لمنع ايران من الحصول على اسلحة نووية،  ويبدو ان المزاج السائد بين الكثير من مسؤولي الادارات الامنية والسياسية الامريكية، فضلا عن الحلفاء الأوروبيين، يدعو على ترك الاتفاق على ما هو عليه، مع الضغط على إيران فيما يتعلق بقضايا لا تتصل مباشرة بالصفقة، مثل الحد من اختبار الصواريخ الباليستية ورعاية الإرهاب الإقليمي، وقبول التمديد النهائي للقيود النووية للاتفاق. ولهذا لا يريد الديمقراطيون إلغاء الصفقة، ولا يرغب كذلك عشرة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في التخلص منها.

وحذرجو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي السابق من أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي سيؤدي إلى عزل الولايات المتحدة، فالصفقة مع إيران ليست اتفاقية مع الولايات المتحدة، بل هي جهد "سداسي"، وستمهد تداعيات الغاء الصفقة النووية مع إيران الطريق لامتلاكها الأسلحة النووية، وتعزيز تأثيرها الإقليمي، كما سيقوض هذا القرار مصداقية الولايات المتحدة الدولية والأخلاقية والسياسية.

يكمل ما تقدم، رفض الدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق فكرة الانسحاب منه، فقد أكدت روسيا على ضرورة الإلتزام بالاتفاق النووي الإيراني وعبرت عن أملها في أن يتخذ ترامب موقفاً متوازناً من اتفاق الحد من برنامج إيران النووي. واعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أن نقض واشنطن للاتفاق دون تقديم بديل سيكون بمثابة غلطة كبرى وعمل غير مسؤول لأنه اتفاق مفيد وضروري من أجل السلام. وشددت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي على أهمية الاتفاق النووي الإيراني لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

واستناداً على اعلاه، رجحت مصادر قريبة من البيت الأبيض أن الرئيس ترامب لن يقر الاتفاق النووي الإيراني بعد تعليق التصديق عليه منذ حوالي ثلاثة أشهر، ومن هنا فان الجدل القائم داخل الإدارة الأميركية حول ما إذا كان توقيت رفض الاتفاق النووي مع إيران مناسبا بالنظر إلى التطورات الحاصلة حاليا في هذا البلد. وأن إلغاء الاتفاق لا يصب في المصلحة الامريكية، الامر الذي يتطلب تضمين الاتفاق شروطاً جديدة من خلال قانون وطني خاص، وهو ما تعتبره طهران خرقا للاتفاق.

بينما يرى الرافضون للصفقة، ان التراخي والتريث في مواجهة طموحات إيران النووية، كما حدث مع كوريا الشمالية، من شأنه يجعل الامور تتجه إلى اوضاع صعبة، لتصبح تهديدات طهران اكثر خطراً. ولهذا فان منع إيران من اتباع نفس القواعد التي اتبعتها كوريا الشمالية يعد مصلحة امريكية لجهة ضمان عدم تمكين إيران من الوصول إلى مستوى نووي يصعب على الطرف الامريكي مواجهته فيما بعد.

بينما يعتبر النقاد إن الاتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدر كبير من القدرة النووية، وأنه كان ينبغي إعطاء العقوبات مزيداً من الوقت. وبنفس المعنى، فان تجاهل سلوك إيران في الوقت الحالي يشكّل تهديداً خطراً. كونها سهّلت اعتماد بشار الأسد لسياسة الأرض المحروقة، وشجّعت روسيا على التدخل في سوريا، وحرّضت على بروز تنظيم "الدولة الإسلامية" من خلال السماح لوكلائها في العراق بقمع العرب السنّة إلى حد احتضانهم لهذا التنظيم.

ومن المؤكد، فان الاتفاق فتح الباب امام طهران لتسهيل شراء كميات كبيرة من الاسلحة الروسية، إذ لم يكن بمقدورها ان تفعل ذلك في ظل العقوبات المفروضة على تصدير النفط والودائع الأجنبية، إلّا أن هذا الاتفاق جاء ليسهل هذا الامر.

ومن جهة ثانية فان مواصلة إيران تسليح وتقوية "حزب الله" سيجعل إسرائيل أمام خيارين؛ فإما تطبيق فكرة ردع الحزب عن استخدام مثل تلك الأسلحة المتطورة، أو توجيه ضربة وقائية ضد منشـاته الخاصة بتصنيع هذه الاسلحة. وتشير بعض التقديرات بخصوص ترسانة "حزب الله" من الصواريخ، إلى امتلاك الحزب ما بين 120 و150 ألف صاروخ، وفي حال اندلاع حرب بين اسرائيل والحزب فان الاخير سيكون قادراً على إطلاق 1500 صاروخ يومياً.

وبحسب ما عرضه آري هايستاين، مساعد خاص لمدير معهد الأمن القومي، في مجلة "ناشونال إنترست"، فأن الأسلحة المعدة للإنتاج تشمل صواريخ دقيقة أرض- أرض طويلة المدى، وقادرة على إيقاع ضرر كبير بالقوات والبنية التحتية الإسرائيلية. ويعتقد هايستاين أن ضربة إسرائيلية موجهة لها تكاليفها الأولية، ولا تضمن عدم سعي "حزب الله" لإعادة بناء منشآته، ولكن عدم التحرك سيقود لدفع ثمن أكبر عند وقوع حرب جديدة.

الرئيس ترامب ودوافعه حيال الصفقة

ولعل موقف الرئيس الامريكي حيال الصفقة، تحركه اعتبارات عدة؛ منها النزعة التوسّعية لإيران في الشرق الأوسط، وتدخلاتها عبر اذرع عسكرية في كلا من العراق وسوريا ولبنان واليمن. فالنظام الإيراني تحت قيادة المرشد الأعلى خامنئي والحرس الثوري، اتبع سياسة ثابتة في نشر "الأيديولوجية الشيعية" بهدف تقويض النظام الاقليمي، وتشكيل المنظومة الطائفية والسيطرة على دول الجوار العربية وغير العربية عبر القوة والتخريب.

وسيكون على الاستراتيجية الامريكية الجديدة حيال إيران، التمسك بما طرحته من ركائز تستند على تحييد نفوذ طهران في زعزعة الاستقرار، والحد من عدوانيتها وخاصة دعمها للإرهاب والميليشيات، وإعادة تنشيط تحالفات الولايات المتحدة التقليدية وشراكاتها الإقليمية لاستعادة التوازن الأكثر استقراراً للقوى في المنطقة، والعمل على منع النظام الإيراني وبشكل خاص الحرس الثوري من تمويل أنشطته الارهابية التي يبتزها من ثروة الشعب الإيراني، ومواجهة التهديدات الموجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها من خلال الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى، والسعي إلى حشد المجتمع الدولي لإدانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والأهم من ذلك كله هو أن الولايات المتحدة ان تغلق جميع الطرق أمام النظام الإيراني للوصول إلى السلاح النووي.

وما يدعو للقلق اقليمياً ودولياً، قيام طهران بتطوير ترسانتها الصاروخية التي تضاعفت الاف المرات، إذ اضحت الاكثر عددًا وقُدرةً وتطورًا في منطقة الشرق الأوسط ولا يكاد يسبقها أحد، وبحسب اللواء محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري فان مدى الصواريخ الايرانية يبلغ 2000 كيلومتر، يمكن أن تغطي معظم المصالح والقوات الأمريكية في المنطقة.

وينبع التهديد الأساسي للصواريخ البالستية الإيرانية، من ارتباطها المحتمل بالبرنامج النووي، ونظراً لاتساع طائفة صواريخها، فإن إيران قادرة على استهداف الدول العربية، وإسرائيل، كما بإمكانها تهديد تركيا ومناطق من مصر واليمن، والجنوب الشرقي لأوروبا، وهذا يوفر أيضا الردع ضد القوات الامريكية في هذه المناطق، وليس ادل من ذلك على الصواريخ الايرانية التي اطلقها الحوثيون على المملكة العربية السعودية

وبالتالي فان برنامج الصواريخ البالستية الإيراني، يعد احد المحفزات التي تدفع الرئيس ترامب الى عدم التصديق على الصفقة النووية، فضلاً عن ادلة اخرى اكدت امتلاك إيران قدرات على تصنيع قنبلة في اقل من 12 شهراً. وقيامها بمساعدة "حزب الله" على بناء مصانع تحت الارض في لبنان لصنع صواريخ متوسطة المدى من طراز "فاتح -110" قادرة على الوصول الى معظم مناطق اسرائيل.

وليس خلق الفوضى، الا اداة لتحقيق السياسة الخارجية إلايرانية، جرى توظيفها على نحو دقيق اكثر من مرة، لتنشر في العراق ولبنان وسوريا واليمن، العشرات من ميليشياتها التي تضم مئات آلاف المقاتلين، مكنتها من الاقتراب من تحقيق ما عُرف باسم (الهلال الشيعي) الذي يمتد من إيران إلى المتوسط مرورًا بالعراق وسورية ولبنان. ومن ناحية اخرى فان الغموض في علاقة إيران بتنظيم داعش، مكنها من الهيمنة شبه المطلقة على العراق، وهو ما افضى إلى تعاون عسكري ولوجستي مع الولايات المتحدة الامريكية من بوابة مكافحة الارهاب، حيث ظهر قاسم سليماني بوصفه محوراً رئيساً في الحرب التي قادها التحالف الدولي ضد التنظيم المتطرف.

سيناريوهات محتملة

هناك عدداً من السيناريوهات الامريكية المحتملة حيال الاتفاق النووي، وهي كالاتي:

السيناريو الأول:  اعلان عدم التزام إيران بالاتفاق النووي وفي هذه الحالة سوف ينتقل الأمر إلى الكونغرس، ذو الأغلبية الجمهورية الرافضة للاتفاق، والذي سيكون أمامه ستون يوماً لاتخاذ القرار بشأن كيفية التعامل مع إيران، وفي هذه الحالة من المتوقع أن يكون لإيران رد فعل تصعيدي على هذه الخطوة. إذ هدد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بأن إيران يمكنها ترك الاتفاق النووي خلال ساعات إذا قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها.

السيناريو الثاني: ويتمثل بطلب تعديل الاتفاقية لمنع إيران من إقامة تجارب بصواريخها البالستية، وبإضافة بعض البنود لها مثال السماح بشكل تام لخبراء الأسلحة النووية التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى كافة المناطق العسكرية السرية الإيرانية، التي تم رصد أنشطة نووية فيها وليس فقط المنشآت النووية الإيرانية الرسمية.

السيناريو الثالث:  أن يستمع ترامب إلى الصوت المنادي بضرورة الإبقاء على هذا الاتفاق، ويعلن أن إيران ملتزمه ببنود الاتفاق، وبالتالي يستمر الكونغرس في رفع العقوبات عنها، ويستمر الوضع علي ما هو عليه الآن.    وختاماً، فإن مواجهة خطر الصواريخ الباليستية الإيرانية وضرب أذرع إيران في الإقليم، يعد ضرورة قصوى، تدعونا لمزيد من التساؤلات حول الكيفية التي ستعتمدها واشنطن للوقوف بوجه سياسات إيرانالشرسة، والذي يعد دعم الارهاب وتقويته على رأسها؟  

وحدة الدراسات السياسية


الى الخلف
  • Heritage Foundation مركز هيريتاج في امريكا يستضيف المركز الاستشاري في ندوة بعنوان التطرف بعد سقوط داعش.18-05-2018

    و قد قدمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب المدير التنفيذي في…

    Read More
  • StraAD present a lecture in Brussels المركز الاستشاري يقدم محاضرة في بروكسل20-04-2018

    استضاف مركز اكسا الاوروبي المتخصص بالفعاليات الامنية المركز الاستشاري الاستراتيجي…

    Read More
عرض جميع آخر الأحداث

هل الاستثمار في البحث العلمي ضروري لتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة؟